العودة   منتديات لمسة حب > الأقسام العلمية > لمسات المواضيع العسكرية > لمسات المواضيع العسكرية العامة
 

لمسات المواضيع العسكرية العامة يختص بالمواضيع العسكرية العامة والتي لاتنتمي الى اي قسم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-02-2010, 05:00 PM   #1
!..[ لمسة نشيط جدا ]..!

السلاح العاري غير متواجد حالياً

رقم العضوية : 3480
تاريخ التسجيل : Nov 2009
فترة الأقامة : 1702 يوم
أخر زيارة : 14-02-2011
المشاركات : 381 [ + ]
عدد النقاط : 10
قوة الترشيح : السلاح العاري is on a distinguished road
افتراضي القاعدة في الجزائر- بقلم : أنور مالك -
انشر علي twitter




بقلم : أنور مالك ـ كاتب وصحفي جزائري

الحلقة الأولى : تحالف "قاعدة المغرب" و "طالبان نيجيريا" لتأمين مصالح واشنطن في إفريقيا

كثُر الحديث وتردد عن نهاية ما يسمّى "تنظيم القاعدة في العالم"، كما ترددت أيضا مصطلحات مختلفة حول ما سيؤول له شأن هذه الظاهرة التي غزت العالم بجدلها وقلبت موازين القوى وأسقطت أنظمة بل كادت تبيد شعوبا بتداعياتها... البعض يقارن مآلها مع ما عرفته الشيوعية من انهيار بصفتها العدو الاشتراكي الذي كانت تحاربه أمريكا الرأسمالية، إن على المستوى الإيديولوجي أو على مستوى آخر أدى انهيار الاتحاد السوفياتي وتفتيته إلى دول بينها تلك التي تتناحر فيما بينها، وهذا بعد سنوات الحرب الباردة وحتى حرب الوكالة في أفغانستان.
لقد اختلفت التصورات حول نهاية القاعدة في العالم، فيوجد من قرن نهايتها بتفتيت امبراطورية العصر الولايات المتحدة الأمريكية ويوجد من أضاف لها الكيان الصهيوني الذي لا يمكن فصله عن أمريكا بالمرّة، ويوجد أيضا من فتش في المحتوى الإيديولوجي للقاعدة وارتباطها بالإسلام والنصوص الجهادية التي يحفل بها القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الديني، تصور محتمل من عقول أخرى يرى أنه لا يمكن للإرهاب أن ينتهي إلا بنهاية الإسلام السياسي الذي جاء كرد فعل على جبروت الأنظمة الإسلامية وتسلط الغرب المسيحي وهمجيته.
في ظل حمّى التفكير والتحليلات يذهب آخرون إلى جعل الإرهاب قضية البشرية ولا يقترن أساسا بالإسلام فقط بل يوجد إرهاب مسيحي وآخر يهودي وآخر هندوسي وآخر بوذي... الخ، ولكن تبقى منطلقات البداية مشتبه فيها وحيثيات النهاية يلفها الغموض والتناقض في بعض الأحيان. قد يرانا البعض نبالغ في حديثنا عن النهاية والقاعدة حطت رحالها أمريكيا في اليمن وصنعت الحدث وأعادت للواجهة »الإرهاب العالمي« بمجرد محاولة فاشلة من الشاب النيجيري عمر الفاروق عبدالمطلب الذي أراد تفجير طائرة أمريكية فوق مدينة ديترويت في 25 ديسمبر 2009، وهذا يعني هو ميلاد آخر لهذا التنظيم وبقوة، خاصة أنه استطاع اختراق الجدار الأمني الأمريكي بتمدده الزئبقي المخيف، وطبعا يبقى الحديث وفق رواية مروج لها غربيا، أما الحقيقة فهي غائبة ستتضح ملامحها بعدما تظهر للعلن الاستراتيجية المعدة مسبقا لليمن وحتى نيجيريا الغنية بالنفط، أو القرن الإفريقي الذي يظهر أنه عزز »الجهاديون« وجودهم فيه. ولكن نحن نتحدث عن نهاية تنظيم وليس نهاية العقيدة الجهادية المرتبطة بأمور كثيرة بينها الاحتلال الأجنبي الذي لايزال يقبع في العراق وفلسطين وحتى في دول أخرى بأشكال مختلفة مرة بقواعد عسكرية وأخرى بنفوذ استخباري عنيف .
الغرب نفسه لا يريد أن تغدو الحركات المسلحة والمحاربة له خارج أرضه مقاومة، بل يجب أن تبقى في إطارها المرفوض من كل الطبقات وهو الإرهاب، ولن يكون شأن المقاومة مرعبا ويجعل الكل يتحرك عسكريا وسياسيا واقتصاديا ضدها إلا بظهوره على حساب المقاومات المشروعة في القانون الدولي والحس البشري، فيكفي أنه لا أحد تحرك لمساعدة اليمن الذي كان يرضخ تحت حرب أهلية منذ أربع سنوات، وعندما تعلق الأمر بالقاعدة فقد فتحت السماء خيراتها وبركاتها على هذا البلد وستهطل بالملايير والسبب طبعا ما ذكرناه لما رافقه مهماز أمريكي. فظهور القاعدة على حساب المقاومات الشرعية هو في حد ذاته أحد أهم الأسباب التي ستعجل النهاية في الواقع حتى وإن بقيت تصنع الحدث الإعلامي الذي يقف وراءه لوبي غربي وصهيوني يسيطر على هذا القطاع الخطير والحساس ويسيره وفق ما يخدم مصالحهم. فأهداف هذه الجماعات تختلف مع أهداف المقاومات حتى وإن راحت تستغلها بطريقة تبرر بها استمرارها وتكسب الدعم والأنصار الجدد. وحتى المطبّلون لقوة التنظيم هم من الناقمين على المشروع الأمريكي الإحتلالي والإحلالي في المنطقة، ويريدون إثبات عجز البيت الأبيض وفساد شعارات أطلقتها إدارته من قبل حول القضاء على طالبان والقاعدة في ظرف قياسي غداة غزوها لأفغانستان في أكتوبر 2001 وحتى في إطار تجفيف المنابع لما غزت العراق في مارس 2003 .
نعود لشأن القاعدة التي نحن بصدد الحديث والبحث في منحنيات أغوارها وتقصي مشاهد النهاية المحتملة التي تترصدها في كل لحظة، لأن كل ظاهرة بدأت لابد لها من نهاية مهما طال عمرها، فقد سقطت إمبراطوريات وتهاوت قوى عظمى وتلاشت ملل ونحل وغربت عن الوجود تيارات وحركات كانت تتحكم في دوران الأرض. والموضوع بلا شك شائك ومعقد ويحتاج إلى مؤلفات وليس إلى صفحات محدودة، لذلك أردنا أن نخوض في غمار ما تسمى »القاعدة« في المنطقة المغاربية وبالضبط في الجزائر، حتى وإن كانت لنا تحفّظات مهمّة على هذه التسمية، إلا أننا سنسلم بها من باب ربط المفاهيم واستقصاء الحقائق ليس إلاّ .
تعددت التصورات والتخمينات حول نهاية الإرهاب في الجزائر، فقد سمعنا مصطلحات كثيرة ومختلفة منها »فلول الإرهاب«، »بقايا الإرهاب«، كما سمعنا أيضا أرقاما مختلفة ومتناقضة أحيانا عن تعداد العناصر المسلحة التي لاتزال تنشط تحت إمرة هذا التنظيم. فترى هل يوجد بالفعل تنظيم اسمه القاعدة في بلاد المغرب أم الأمر مجرد »ماركة مسجلة« تطرح للاستهلاك والدعاية الإعلامية؟ هل بالفعل هناك تواصل تنظيمي بين هذه الأجنحة المتناثرة هنا وهناك أم مجرد تواصل إيديولوجي بحت؟ إلى متى سيظل هذا التنظيم هو البعبع الذي يظهر ويتجلّى كل مرة في صورة تهز استقرار العالم، إما بهمجية أمريكية أو بهوان إسلامي عروبي؟ هل ستغدو الجزائر هي مقبرة القاعدة بعدما دفنت تيارات متشددة ودموية على ترابها خلال عشرية خلت؟ هل للنفط مفعوله الخاص في تمدد القاعدة وتجلياتها المفاجئة كل مرة بقطر عربي؟ لماذا تسبق أحداث أخرى مختلفة في أي بلد عربي تظهر فيه القاعدة؟ ... الأسئلة كثيرة ومختلفة ومشبوهة قد نجد لها جوابا في ثنايا هذا الملف الخطير .
لعنة النفط الإفريقي وأنياب الأفاعي
البترول الإفريقي يعتبر العمود الفقري لأمريكا المدمنة على النفط كما وصفها الرئيس جورج بوش الإبن، فهي تستورد 60٪ من حاجياتها النفطية من إفريقيا، وتشير بعض التقارير إلى ارتفاعها نحو ما يقارب 70٪ مع حلول عام 2025، وإن كان مجلس المعلومات الأمريكي القومي توقّع أن ترتفع واردات النفط من غرب إفريقيا إلى 25٪ بحلول 2015، مع العلم أن نيجيريا تمد أمريكا بحوالي خمس احتياجاتها النفطية، بل ان ما تستورده أمريكا من دول مثل غينيا والغابون ونيجيريا يعادل ما تستورده من مجموع دول الشرق الأوسط. حتى الرئيس الأسبق بوش ذهب إلى التأكيد على تحفيز التكنولوجيا، وذهب إلى حد الاعتراف بأن الواردات النفطية الأمريكية من الشرق الأوسط ستتجاوز 75٪ بحلول 2025 إن لم يتم توفير طاقة بديلة .
النفط الإفريقي له مميزات خاصة لجودته العالية ومميزاته الاستثنائية، وحسب التقرير الشهير حول مستقبل الطاقة في الولايات المتحدة الصادر عام 2001، أكد ديك تشيني ـ نائب الرئيس ـ وهو أحد كبار المستثمرين في النفط، وصاحب ملكية مجمع »هاليبورتن« والمتواجد من خلال شركاته الفرعية في القارة السمراء، بأن إفريقيا تتحوّل بشكل سريع إلى مصدر نفط وغاز للسوق الأمريكية، وأن النفط الإفريقي ذو جودة عالية ومما يجعله نموذجيا لمحطات التكرار بالقارة. لهذا صار إقبال الشركات البترولية عليه يتزايد بقوة، فنجد مثلا شركة »شيفرون تكساكو« التي كانت تديرها من قبل كونداليزا رايس (وزيرة الخارجية الأمريكية في إدارة جورج بوش)، إستثمرت حتى 2008 أكثر من 10 ملايير أورو في إفريقيا، وقدرت استثماراتها مع نهاية 2012 ما يقارب 20 مليار أورو…
إن كان تقرير تشيني قد عدّ نفط إفريقيا عالي الجودة، فإن والتر كاينستين، الذي كان مساعدا لوزير الخارجية للشؤون الإفريقية، قد صرح في 01 / 02 / 2001 بأن بترول إفريقيا تحول بالنسبة للإدارة الأمريكية إلى استراتيجية وطنية جذابة، ولهذا راحت الكثير من الجهات الرسمية والاستراتيجية ومراكز البحث إلى حثّ الإدارة الأمريكية على أن تجعل النفط الإفريقي من ضمن الأولويات السياسية الأمريكية، كما جاء في التقرير الصادر عن مركز "CSIS" في جوان 2005 والذي تناول الاستراتيجية الأمريكية في خليج غينيا.
وهذا لا يتحقق طبعا إلا بإقامة قواعد عسكرية، مما دفع مجلة (أليكسندر غاز أند وال كونكشيو) إلى نشر ما مفاده أن الإدارة الأمريكية شرعت في حماية مصالحها البترولية في إفريقيا، ومن دون أن تعطي صورة عن الطريقة المنتهجة من قبل إدارة البيت الأبيض، إلا أن المؤكد هو خلق تهديدات تفرض أجندتها على الكل، ولا يوجد أفضل من بعبع القاعدة في شمال إفريقيا .
وتشير بعض المصادر الأمنية إلى وجود ما يشبه التخطيط لأجل إنشاء تحالف سري يجمع »القاعدة« المغاربية مع تنظيم بوكوحرام أو ما يطلق عليه بـ»طالبان نيجيريا« مما يوسع دائرة الترهيب المفضي للخضوع المطلق ويؤمّن مصالح أمريكا النفطية في إفريقيا…


الحلقة الثانية: هل هناك علاقة بين تنظيم دروكدال وأسامة بن لادن؟


منذ تأسيسها في 27 / 04 / 1998 كانت "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" تسعى بكل ما أوتيت من جهد من أجل "الانضمام" إلى ما يسمى بحركة الجهاد العالمية، ويعتبر أعضاؤها تزكية أسامة بن لادن لهم هو فوز كبير لا نظير له، وقد أعاقها ما اقترفته "الجيا" في حق المدنيين حسب بعض المحللين والمتابعين للشأن الأمني الجزائري، فضلا عن أن التنظيم الدموي كان يرفض بن لادن رفضا مطلقا.

وقد أقبلت الجماعة على عمليات استهدفت بها الأجانب من أجل كسب ودّ التنظيم الأم والتسويق لصورة مغايرة على ما كان عليه الشأن من قبل، وإن كانت الجماعة الإسلامية المسلحة "الجيا" بنفسها قامت من قبل بعدة عمليات دموية استهدفت الأجانب كرهبان تبحرين في 27 مارس 1996، وتفجيرات باريس ما بين أوت ونوفمبر 1995، وخطف الطائرة الفرنسية في 24 ديسمبر 1994… الخ. مما يعني أن استهداف الأجانب ليس بدعة جديدة.
تنظيم "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" قام باختطاف 32 من السياح الأوروبيين (16منهم ألمانيا) في الصحراء الجزائرية، كما أعلن رسميا في ماي 2003، وإن كانت مصادر أخرى تذهب إلى اختطافهم في فيفري 2003، وآخرون ذهبوا إلى شهر مارس من العام نفسه، وقد عرفت القضية تداعيات وحضورا إعلاميا كبيرا وصلت حد زيارة للمستشار الألماني السابق غيرهاردر شرويدر ولقائه بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في 30 / 04 / 2003، انتهى الأمر بتحريرهم بعد دفع ألمانيا لفدية تتراوح مابين 3 إلى 5 ملايين دولار ومصادر أخرى تقول إنها فاقت 6 ملايين دولار…
بعدها في إطار استراتيجيتها لنيل التزكية من "القاعدة" الأم أصدرت بيان نصرة لبن لادن في 11 / 09 / 2003، وبعدها باركت إعدام الدبلوماسيين الجزائريين المختطفين من طرف "تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين" في جويلية 2005 بقيادة الأصولي الأردني أحمد فاضل حمدان خلايلة وشهرته (أبو مصعب الزرقاوي)، بل دعته من قبل إلى تنفيذ ما سمته "حكم الله" فيهم من خلال بيان نشرته على مواقع مقربه منها في الشبكة العنكبوتية. وبعد إعلان قتلهما نشرت "الجماعة السلفية" بيان مباركة للعملية، وكانت الرسالة تندرج في إطار مغازلة "الجماعة السلفية" بصفة علنية لتنظيم "القاعدة" من أجل إعلان البيعة، وخاصة أن للزرقاوي مكانة استثنائية لدى أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
الزرقاوي بدوره أشاد من قبل في شريط سمعي تناقلته مواقع الأنترنيت، بالمدعو عبدالمالك دروكدال "أبومصعب عبدالودود" أمير التنظيم حاليا في الجزائر، وعده الكثيرون من المراقبين بداية التزكية لهذه الجماعة التي منذ خروجها من تحت وصاية الجماعة الإسلامية المسلحة "الجيا" وشغلها الشاغل تبني أسامة بن لادن لهم وتزكيته لمشروعهم. وأشارت بعض المصادر إلى مراسلة بين الزرقاوي ودروكدال في خريف 2004، لتضيف أخرى أنه في عام 1994 لما كان أسامة بن لادن في السودان يبحث عن ملاذ آخر يأويه، طلب من المسلحين الجزائريين أن يتنقل إلى المراكز الجبلية التي يرابطون بها، وهو الذي لم يؤكده ولم يستبعده كوفر بلاك ضابط مخابرات أمريكي وكان يعمل بالخرطوم، وأحدهم يدعى "مراد خطاب" يزعم أنه كان ضابطا سابقا في الجيش الجزائري وصار من المسلحين الإسلاميين، الذي أكد على رفضهم قدوم أسامة بن لادن بسبب اهتمامهم بالجزائر فقط ولا شيء لديهم يقدمونه للعالم الخارجي، وحتى حسان حطاب بدوره أكد على الرفض الذي قوبل به طلب بن لادن.
أمر يجب أن نشير إليه ويتعلق بخلية عبد القادر بلعيرج التي تم تفكيكها في ماي 2008 بالمغرب، حيث أفاد بلعيرج المحققين أنه التقى بالمدعو "أبوبصير الجزائري" مسؤول القاعدة في أوروبا، وتسلم منه رسائل منسوبة لأسامة بن لادن تتعلق بإعادة هيكلة "القاعدة" وذلك بإلحاق "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" بهذا التنظيم، بعد مباركة قيادة "القاعدة" في أفغانستان لكل العمليات التي قاموا بها في الجزائر، وتقديم الدعم اللوجيستي والمالي لها، قصد استقطاب شبان متحدّرين من المغرب العربي ومن جنوب الصحراء، ثم يضيف بلعيرج أنه لمواصلة هيكلة تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي" فقد التقى الجزائري "أبو طلحة البليدي" وهو أمير كتيبة وذلك خلال عام 2005، حيث عقد معه اجتماعات متتالية وبحثا سويا إمكانية توسيع المعسكر التدريبي بإحدى غابات الشلف، بل طلب منه تحضير لقاء مع دروكدال لكن لم يتمكن من ذلك. وأكد بلعيرج لقاضي التحقيق المغربي المكلف بـالإرهاب، أنه سافر إلى دمشق يوم 5 أفريل 2005، والتقى مع شخص يدعى "أبو رزق"، وهو المكلف بتجنيد مقاتلين ونقلهم إلى العراق من أجل مواجهة القوات الأمريكية بعد سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين، وذلك انطلاقا من أوروبا بسبب اشتداد المراقبة على الحدود العراقية السورية برّا، وأكد أنه عمل على إعادة هيكلة تنظيم "القاعدة" في الشرق الأوسط عبر تغيير استراتيجية ومخططات عملها.
في سياق آخر، فقد حاول المسلحون الإسلاميون من قبل استغلال "أفغان الجزائر" من أجل تحقيق الهدف الذي ترجو منه ـ حسبهم ـ حصد الفوائد المتعددة والامتيازات الكبيرة، وقد أكد لي الأفغاني السابق (جمال- م) وهو أيضا ممن قاتلوا في البوسنة والهرسك، من أن أسامة بن لادن رفض من قبل تبنّي التنظيمات المسلحة الجزائرية التي حاولت بعدة وسائط تحقيق ذلك، ومن بين الأسباب التي ذكرها هو قتالها للنظام من أجل أسباب سياسية وانتخابية وحزبية ضيقة، فضلا عن أنه رد لهم الكيل بطريقته على عدم التحاقه بأدغال الجزائر، لأنه لا يعقل أن يرفض تنظيما يتواجد به ممن قاتلوا معه في أفغانستان وتخرجوا من جامعة الدعوة والجهاد ببشاور.
وهذا الذي حاولت من بعد "الجماعة السلفية" الابتعاد عنه من خلال المواقف من زعماء الحزب المحظور أو من خلال ما تبثّه من وثائق ومستندات ومنشورات، مما يوحي بأن الأمر مخطط له من قبل، حتى أن السجين الإسلامي السابق (بلال- م) قبل إعلان الظواهري في 11 سبتمبر 2006 حدثني قائلا: "الجماعة ـ يقصد الجماعة السلفية للدعوة والقتال ـ تمر بمآزق كبيرة من نقص "المجاهدين" والمجندين الجدد والتموين والشرعية العقدية وهذا الذي لن يتحقق إلا إذا قبل الشيخ أسامة بن لادن أن تصبح تنظيم القاعدة في المغرب العربي أو الإسلامي" ـ هكذا قال بالحرف الواحد كما دونت ما جاء على لسانه -.
إذا الطريق إلى "القاعدة" مهدته من خلال خطفها للسياح، وما تحدث به أحد المقبوض عليهم من طرف الحزب المتمرد في تشاد، الذي صرح للقناة الفرنسية الثانية بأن لهم اتصالات بالقاعدة، والأمر نفسه أشار إليه عبد الرزاق "البارا"، فضلا عن إدراج الولايات المتحدة للتنظيم ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الدولية غداة أحداث 11 سبتمبر 2001، وهو الذي أعطاها الزخم في اتجاه العالمية ومناهضة أمريكا، وأخرجها من دهاليز النسيان والذوبان والانقراض.
ومما يمكن تسجيله أن مقتل الزرقاوي كاد أن يعصف بالأمر لولا الجزائريين الذين التحقوا بالعراق وبمساعدة عناصر "الجماعة السلفية"، وأيضا حادثة بوشاوي بالجزائر والعملية التي استهدفت الهجوم على ثكنة لمغيطي الموريتانية في جوان 2005 وتبنتها "الجماعة السلفية للدعوة والقتال".
وهكذا تحقق المراد وأعلن الظواهري الرجل الثاني في تنظيم "القاعدة" بمناسبة الذكرى الخامسة لأحداث 11 من سبتمبر 2001 الانضمام والتبني، ليعلن رسميا ومحليا في بيان بتاريخ 24 جانفي2007 ميلاد "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" وحلّ ما كان يعرف بـ"الجماعة السلفية للدعوة والقتال" على الأقل شكليا...
التهويل والتطبيل في شأن "القاعدة" المغاربية!!
تعتبر "القاعدة" هي مرحلة فقط من مراحل العمل المسلح التي عاشتها الجزائر منذ مطلع التسعينيات، فقد بدأت بمرحلة الإنقاذيين المحسوبين على الحزب المحظور، ثم انتهت على يد جمال زيتوني أمير "الجيا" الذي أعدم الكثير من نشطاء جبهة الإنقاذ وحتى زعماءها وبدأت مرحلة التكفيريين التي عرفت بسلفية عنتر زوابري وتميزت بحرب مفتوحة ودموية على الشعب الجزائري. ولأسباب عديدة خرجت من تحت جناحها سلفية حسان حطاب والتي انتهت بتسليمه لنفسه بعد قناعته بوصول أمر الجماعة التي أسسها إلى طريق مسدود.
تجمعت عوامل أشرنا لها سابقا لتأتي مرحلة النهاية وهي التي سميناها بمرحلة القاعدة، والملاحظ أنه منذ المرحلة الأولى والعمل المسلح في تراجع من ناحية العدد والعدة والنفوذ والحضور العسكري والعملياتي، حتى وإن أعاد دروكدال المتخرج من تحت عباءة عنتر زوابري التكفيرية تلك المشاهد الدموية عن طريق العمليات الانتحارية التي لا تدل أبدا على قوة التنظيم بل تدل على ضعفه واتجاهه نحو الانتحار، كما تؤشر أحيانا على تهاون أمني ربما بسبب الثقة المفرطة في النفس أو استغلال بعض الانفراج في حرية التنقل من طرف عناصر ليست معروفة لحد بعيد لدى المصالح المعنية، لأنه لا يعقل مطلقا أن تتم مراقبة كل مركبة تدخل العاصمة عبر الطرق السريعة، ولا يمكن أيضا الإحاطة الاستعلاماتية الشاملة بحيثيات الإمداد والتخطيط لدى عامة الناس ممن لا تلاحقهم أي شبهات.
مما لا شك فيه أن إشكالية "القاعدة في الجزائر" - إن سلمنا جدلا بهذه التسمية - عرفت تناقضات مختلفة إن على مستوى الخطاب الإيديولوجي أو على مستوى الواقع، فيوجد من أكد على أن التنظيم غير موجود أصلا سواء من طرف المسؤولين أو حتى بعض الخبراء، وهنا تردد الحديث كثيرا عن فلول الإرهاب وبقاياه أو "عناصر دروكدال" وقد جاء هذا التصريح على لسان كل من أحمد أويحيى ويزيد زرهوني وعلي تونسي. ويبرر ذلك غالبا من طرف السلطات الجزائرية بتراجع العمليات التي دأبت القاعدة على تنفيذها، ومن خلال الأرقام المقدمة التي تعطى من حين لآخر، والحقيقة التي وجب الانتباه إليها أنه لا يمكن اعتبار تراجع العمليات هو دليل على نهاية التنظيم وإن كان مؤشرا مهما. فقد تتراجع وتفاجئ مرة أخرى بضربات قوية ينفذها شخص واحد قد يكون يائسا من ظروف معينة يعيشها أو أنه رضخ لضغط ما أو تلهفه لإغراء سواء كان دينيا أو دنيويا.
كما يرى آخرون من أن القاعدة غير موجودة في الجزائر وهو ما صرح به عبد القادر حجار سفير الجزائر بالقاهرة في جوان 2007، بل ان منسق مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأمريكية الجنرال ديل ديلي صرح في ديسمبر 2008 من أن دروكدال فقد ثقة أتباعه والجماعة السلفية أفلست، وهذا يفيد أن التطور ـ إن صح التعبير ـ الذي حدث هو قفز على الإفلاس نحو الإثارة والحضور ولو بالانتحار.
ويوجد من اعتبر أن الأمر مجرد مقايضة حدثت بين الطرفين لأجل أهداف مختلفة ومحدودة، وأيضا آخرون يؤكدون على وجودها في الجزائر غير أنها عاجزة في الوصول لأهدافها، وقد صرح دانييل بنجامين منسق مكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية الأمريكية في نوفمبر 2009 مـن أن "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" تواصل تهديد أجزاء من المنطقة المغاربية والساحل لكنها أخفقت في بلوغ أهدافها". ويرجع بنجامين هذا الإخفاق إلى وضع القاعدة حيث أنها صارت منهكة ماليا خاصة في الجزائر وغير قادرة على تحقيق أهدافها فيما يتعلق بالتجنيد.
ويوجد أيضا من قام بتهويل الأمر إلى حد بعيد مما يوحي أن القضية هي طبخة يراد منها أشياء أخرى غير ما هو ظاهر للعيان، ومنها الضغط الأمريكي طبعا على الشمال الإفريقي من أجل القاعدة العسكرية أفريكوم التي رفضتها الجزائر رفضا قاطعا، ولا يزال المغرب بين مد وجزر في شأنها.
ففي هذا السياق نجد القاضي المختص في مكافحة الإرهاب جون لويس بروغيير قد أوضح في شهر مارس 2007 ـ أي بعد إعلان الظواهري ـ أن الجماعة السلفية ستقود قوسا إرهابيا إسلاميا يضم مجموع الحركات المتشددة المغاربية، إلى جانب الجماعات المقاتلة في تونس وليبيا والمغرب. أما زميله القاضي الإسباني بالتازار غارزون في مقابلة أجريت معه في ماي 2007 أثناء مؤتمر في ايطاليا نظمه مركز القانون والأمن في معهد القانون بجامعة نيويورك أن "وجود القاعدة" في شمال أفريقيا أمر واقع.
وعن أسباب انتشار هذا التنظيم نجد مركز سترافور في واشنطن في 05 مارس 2007 نشر تفسيرا لذلك، حيث ذهب بأن توسع "القاعدة" في المغرب العربي يتزامن مع النشاطات الجهادية في المنطقة، وسعيا لتنسيق نشاطات الحركات المتشددة بعد الضغط الأمني عليها من طرف القوات النظامية الحكومية، لكن السيد ماغنوس إنستورب مدير مركز دراسات التهديدات الإرهابية التابع للمعهد الوطني للدفاع في السويد، يؤكد بطلان تصريحات الجهات الرسمية في المغرب العربي من إحتواء الإرهاب.


الحلقة الثالثة : لا وجود للقاعدة في الجزائر والجماعة السلفية ذات فكر تكفيري


في سياق تحويل "القاعدة" في المنطقة المغاربية إلى بعبع على طريقة الأسلحة الكيماوية الصدامية في العراق، يذهب بروس ريدل وهو الخبير السابق في شؤون الشرق الأوسط بوكالة الاستخبارات الأمريكية إلى الجزم على أن أمريكا أمام جبهة جديدة، والقاعدة فتحت هذه الجبهة بالجزائر...

ثم يؤكد: "لقد كانوا في شمال إفريقيا من قبل، ولكن التطورات الأخيرة تعتبر بمثابة الإعلان"، هذا على عكس التصريحات الرسمية الجزائرية التي قللت من شأنها ربما لوضوح النوايا الغربية في المبالغة والترويج لها، وسبق وأن وجه عبدالقادر حجار كل اتهاماته لأمريكا بصناعة الإرهاب في العالم. وتجدر الإشارة في سياق الحديث عن صناعة الإرهاب من أن عاموس هرئيل الخبير الإسرائيلي في مجال الشؤون العسكرية والخطط الحربية قد ذهب إلى أن إسرائيل نجحت في إشعال الفتنة بالجزائر، بل أكد على عجز الكيان العبري في تقديم الدعم للقاعدة في الجزائر والشمال الإفريقي حسب ما أوردته الشروق اليومي في 06 مارس2008
تقرير آخر صدر عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى تحت عنوان: )الإرهاب الإسلامي في شمال غرب إفريقيا… شوكة في حلق أمريكا(، ومما هو معروف عن هذا المعهد أنه مقرّب من اللوبي الإسرائيلي المسيطر على السياسة الخارجية الأمريكية، وقد تأسس عام 1985 ومن بين أعضائه نجد وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت ومستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي أنتوني ليك، ووزير الدفاع الأسبق ليس أسبن، ووزير التجارة ستيوارت إزنستاد، ووارن كريستوفر وزير خارجية بيل كلينتون، ولورانس إيغلبرغر وهو وزير خارجية سابق، وأليكساندر هيغ وجورج شولتس وزيرا خارجية الرئيس الأسبق رونالد ريغن ومستشاره للأمن القومي روبرت ماكفارلان… وغيرهم، فضلا عن السفراء مثلا جين كيركباترك، وهو سفير أمريكا لدى الأمم المتحدة، وصموئيل لويس سفيرها لدى إسرائيل، أما المعهد فيديره روبرت ساتلوف وهو خبير في شؤون العلاقات العربية الإسرائيلية وسياسة الولايات المتحدة الخارجية.

التقرير أنجزته باحثة اسمها "إيميلي هنت" وهي مختصة في موضوع "الإرهاب في شمال إفريقيا"، وقد اشتغلت مستشارة في ملف الإرهاب بمؤسسة لندن لشؤون الدفاع، ومما يجب الإشارة إليه أن التقرير اعتبر الجزائر والمغرب مركزا لنشاط الإرهابيين، ووجه نقده للسلطة الجزائرية التي قللت من شأن "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" واعتبره الخطأ الجسيم الذي له تأثيره البالغ على مسيرة "الحرب على الإرهاب"، وطالب الولايات المتحدة باتخاذ "إجراءات ومشاريع" لوضع حد لهذا الخطر، ليشير صراحة إلى إقامة وبناء قواعد عسكرية أمريكية بالمنطقة.
كما حذّر لويس كابريولي المسؤول الأسبق في جهاز الدفاع عن الإقليم الفرنسي (DST) من الخطر القادم، وطالب بإجراءات أمنية مكثفة. أما جيل كارول وهي مراسلة صحيفة )كريستيان ساينس مونتور(، وقد احتجزت من قبل ثلاثة أشهر عام 2006 في العراق، أكدت أن المغرب - تقصد المغرب العربي - صار أرضا خصبة للإرهاب، وتخوفت من المغاربة الموجودين في العراق وقد ينقلون مهارات تقنية وقتالية عند عودتهم إلى بلدانهم…
صحيفة "واشنطن بوست" التي نقلت بعض الأحداث في المغرب، أكدت زحف القاعدة على عكس ما يدعيه بوش من القضاء عليها في معاقلها، غير أن الحروب التي شنتها أمريكا زادتها توسعا وزحفا وانتشارا.
في إطار التهويل نذكر أنه توجد آراء رشحت دولا أخرى تكون ساحة قتال وحرب للقاعدة المغاربية، فيوجد من رأى أنها ستكون ليبيا وآخرون رجحوا المملكة المغربية، ولكن آخر ما سجل هو ترشيح موريتانيا، وهذا ما ذهب إليه معهد "ألكانو" للأبحاث الإستراتيجية بإسبانيا في دراسة صدرت له في جانفي 2009

انتحار أسامة بن لادن في الجزائر

من دون لف ولا مقدمات نجزم على قناعتنا من أنه لا توجد فعليا القاعدة في الجزائر حاليا، بل توجد جماعة كانت مهددة بالإفلاس والنهاية، أرادت أن تعيد لنفسها البريق الإعلامي فقط، الذي انطلق في ظل حرب شاملة على الإرهاب، وبالتعاون غير المباشر مع الزرقاوي بواسطة مقاتلين جزائريين التحقوا بالعراق. ويكفي ما ذكرته أمريكا في 2005 أن واحدا من أربعة انتحاريين في العراق من شمال إفريقيا، بل أن تقريرا صدر عن مركز مكافحة الإرهاب التابع للمدرسة الأمريكية للنخب العسكرية "واست بونيت" وضع الجزائر في المرتبة 5 من حيث التواجد الأجنبي في صفوف القاعدة، وتجلت مغازلة درودكال للزرقاوي من خلال التأييد المطلق في 2005 للقاعدة في بلاد الرافدين لنحر الدبلوماسيين الجزائريين بلعروسي وبلقاضي كما ذكرنا سابقا.
حتى وإن طالعتنا بيانات تحمل توقيع "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" وحتى وإن سمعنا الظواهري يتحدث عنه بصوته وصورته، رغم أنه لم نسمع بن لادن يذكره قط مما يوحي لخلافات داخلية حول تبني هذا التنظيم، بل قد نرى أن مؤسسة سحاب التي تسوق لخطابات بن لادن وأشرطة تنظيمه تقوم بممارسة مقص الرقيب على خطابات المطلوب رقم واحد في العالم، فلا يعقل أن لا يتحدث عن مقتل المدنيين في الجزائر، حتى وإن وردت تلميحات فإنه ليس من عادة بن لادن أن لا يضع النقاط على حروف جدل يشتعل كالنار في الهشيم بين أنصاره أو حتى على المستوى الإعلامي الدولي. سبق وأن عاتبت القاعدة الأم بعض القنوات الإعلامية وعلى رأسها الجزيرة واتتهمها بممارسة مقص الرقيب وقد خففت حدّة النقد لاحقا بعدما تبين أن هذا المقص يمارس في الهيئة الإعلامية "سحاب" التي تنتج الأشرطة وتوزعها.
ما تسمى "القاعدة في المغرب الإسلامي" هي نفسها "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" من حيث القيادة ومن حيث المجندون ومن حيث الفكر التكفيري المغلف بالسلفية الجهادية ومن حيث الاستراتيجية القتالية، وحتى التسمية الجديدة لم تغير فيها شيئا ولا انضوت تحتها جماعات أخرى، ففي ليبيا التحقت الجماعة المقاتلة بالقاعدة الأم مباشرة وليس بقاعدة درودكال المزعومة، مما يوحي لوجود شرخ كبير بين كل الأطراف التي تصنع المشهد المسلح. وللإشارة فإن الجماعة الليبية كانت على خلاف مع "الجيا" وقد حاول أسامة بن لادن البحث في ذلك الخلاف وأرسل إلى الجزائر ثلاثة أشخاص، واحد يدعى عبدالحكيم والثاني عاصم، أما الثالث فهو عطية عبدالرحمن، هذا الأخير يعتبر من قادة التنظيم في أفغانستان وهو الذي راسل الزرقاوي في 2005 يحذره من أن القيادة في وزيرستان مستاءة جدا من تفجيرات فنادق عمان في 09نوفمير2005، كما طلب منه ضرورة أخذ المشورة قبل أي عملية يقوم بها خارج العراق.
وكذلك أنه في الجزائر نفسها توجد جماعة "حماة الدعوة السلفية" التي يتزعمها سليم الأفغاني، والتي لم تبايع درودكال، بل تقوم بمحاربته أيضا، حتى ولو كانت مهددة الآن بالانقراض بسبب الضربات الأمنية التي تلقتها الجماعة، وأيضا استسلام عناصر منها لقوات الأمن وأبرزهم ضابطها الشرعي "بوترفاس.ع" المكنى بنعيم.
أما في موريتانيا فقد ظهر في مطلع 2008 تنظيم غامض سرعان ما اختفى حضوره الإعلامي حمل اسم "كتائب الزرقاوي في المغرب العربي" هدد في فيفري الضباط المورتانيين بالتصفية، ولا علاقة له بدرودكال. أما في تونس والمغرب فقد واصلت الجماعات السلفية نشاطاتها باستقلالية.
لا يوجد ولو أمير سرية بالجماعة السلفية ليس بجزائري، كما لا يوجد قيادي آخر عرف بدوره في القاعدة الأم أو حتى من الأفغان الجزائريين السابقين، الذين أغلب من التحق منهم بالعمل المسلح كانوا في "الجيا" وتم القضاء عليهم، وأما المتبقون منهم فإما يعيشون في اليمن وتركيا وسوريا وأوروبا، أو استفادوا من الوئام المدني ثم ميثاق السلم والمصالحة الوطنية ورجعوا لأوساط المجتمع بصفة عادية. ولا يوجد حاليا ضمن هذا التنظيم إلا المكنى أبو إلياس عبدالحميد القسنطيني الذي جند بأفغانستان عام 1986، وهو من قدماء تنظيم "الجيا"، حيث التحق بالعمل المسلح مطلع التسعينيات، والسبب في عدم بلوغه مراتب قيادية هو أميّته وقلة خبرته في شؤون الدين والخطابة وأيضا كبر سنه، إلى جانب عوامل جهوية أخرى، وتشير مصادر مطلعة إلى أنه لا يحسن حتى القراءة والكتابة ولا يحفظ النصوص إلا بطريقة التلقين. أمامتابعون آخرون للشأن الأمني يرونه الزعيم الروحي الذي أبعد عن المراكز القيادية للحفاظ على حياته كآخر خيط يربطهم بالأفغان العرب...
مما يعني أن التغيير كان في العنوان أو التسمية أو الواجهة. وأكثر من ذلك أن المصالح الأمريكية في المنطقة المغاربية لم تستهدف أصلا ولا حتى شركات النفط في الصحراء... فقد تم مجرد التخطيط لها أو تهديدها. كما تركز العمل القتالي في الشمال الجزائري فقط كما في السابق، من ضرب مصالح الأمن والإعتداء على المدنيين العزل بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة والإنتحاريين الذين هم الشيء الوحيد الذي إختلقته التسمية الجديدة على غرار ما يحدث في العراق. ولهذا نجد محاولات درودكال في موريتانيا مثلا من خلال الخطف والاعتداءات هي أحداث تستهدف دولة آمنة ومتواضعة في قواتها المسلحة، من أجل أن يعطي لنفسه البعد المغاربي كما جرى في الاعتداء على ثكنة لمغيطي 2005 وقتل سياح فرنسيين في شمال موريتانيا2007
هنا وجب الإشارة إلى نقطة مهمة، هي أن البعض يفسر التشابه في التكتيك والعمليات العسكرية عن طريق السيارات المفخخة أو الأحزمة الناسفة أو القنابل والكمائن بين "قاعدة" الجزائر وبين ما يجري في العراق هو الدليل على التنسيق التنظيمي بينهما، وهذا خطأ وتفكير خارج المنطق لأن هذه الأمور عرفتها الجزائر خلال التسعينيات الماضية ومن قبل ظهور القاعدة بصيغتها الحالية. ومن جهة أخرى أن هذه الأساليب والتكتيكات هي تخريبية تتماشى والمنطلقات الإرهابية التي تريد من خلالها القاعدة الوصول إلى أسهل الطرق وأقربها لإحداث زلزال إعلامي بإسقاط أكثر عدد من الضحايا ومن دون تكاليف باهظة.
فقاعدة درودكال إلى جانب العجز العسكري فهي تعاني عجزا لا يتماشى وأطروحات القاعدة الأم من خلال مغاربية التنظيم، وهذا طبعا سيعجل فناءها وخاصة أنها فشلت فشلا ذريعا في استقطاب كل من يحملون أطروحاتها الإيديولوجية أو يعتنقون السلفية الجهادية في الشمال الإفريقي، فأغلب العناصر المغربية أو الليبية التي كانت تنشط في "الجماعة السلفية" هي نفسها التي بقت تحت لواء "القاعدة"، فكل الذين تم القضاء عليهم التحقوا بالعمل المسلح قبل سبتمبر 2007، ولم يحدث تسجيل حالات التجنيد الجديدة إلا في أماكن قليلة وبعدد محدود، ويرتبط بأسباب اجتماعية أو حتى أفراد جرى لهم غسيل المخ عن طريق الأنترنت أو تحت تأثير ضغوطات متنوعة، وهي حالات قليلة جدا لا يمكن من خلالها استمرار التنظيم وازدياد قوته.



"الحلقة الرابعة: القاعدة" مجرد شعار لخلق الفوضى التي تستفيد منها أمريكا وإسرائيل


وإن تم تسجيل حالات تسلل لمغاربة كانوا يقصدون معاقل درودكال إلا أنها حالات تعد على الأصابع، وفي أغلبها يتم الإعلان عليها من الجانب المغربي وترتبط بالهجرة السرية، مما يجعل فرضية التخويف للحد منها يدخل في أجندة هذه المطاردات...

فضلا عن أسباب الخلاف الجزائري المغربي القائم منذ سنوات طويلة الذي بلا شك سيغذي هذا الأمر، وكذا رهان الرباط على توريط الصحراويين في شبهات الإرهاب الدولي بأي طريقة كانت. ومن بين الاستثناءات نذكر اعتراف التنظيم نفسه في بيان بتاريخ 20 جانفي 2009 بمقتل المكنى أبو الحارث يوسف المغربي من طنجة والذي التحق بالجماعة مطلع 2005؛ أي قبل إعلان الظواهري.
كما يعني أن أطروحة عالمية التنظيم التي تنطلق من التصور المغاربي للجماعة السلفية قد أخفقت إخفاقا ذريعا، لأنها لم تصل إلى المبتغى الذي تم الرهان عليه ما بين باكستان وأفغانستان والعراق. حتى وإن حاولت إظهار بعض الوجوه من المغرب أو موريتانيا أو النيجر عبر الإنترنت فهو من باب محاولات الهروب للأمام من أجل إعطاء الصبغة الموسعة التي تشمل الشمال الإفريقي فقط.
إشكالية أخرى تضاف إلى التناقضات المطروحة، وتتعلق بعدد العناصر النشيطة في أدغال الجزائر، فإن كانت الجهات الرسمية لم تعط رقما قطعيا الثبوت والدلالة وظلت الأرقام المتناثرة عبر الصحف تتراوح ما بين 600 و800 عنصرا موزعين ما بين الجزائر وأوروبا، فتوجد مصادر خاصة أفادتنا من أن عدد المقاتلين المنضوين تحت لواء "القاعدة" في الجزائر في حدود 2000 عنصرا يتوزعون في الشمال والشرق والغرب والجنوب، بينهم ما يقارب 600 شخص يعملون بسرية وأغلبهم غير مطلوبين ولا معروفين بنشاطاتهم لدى المصالح الأمنية، هذا في الداخل أو الخارج.
أما النساء فعددهن في حدود 400 امرأة يتوزعن بين الجبال كزوجات أو مختطفات رضخن للأمر الواقع أو ممن يشتغلن في الدعم والإسناد، وتؤكد مصادر أمنية أن نسبة كبيرة من هن مومسات ممن يتلقين الأجور على الخدمات المقدمة لعناصر التنظيم كالإيواء والرصد والمراقبة والتموين وتسهيل نقل البريد وجمع المعلومات من خلال بعض عناصر يشتغلون في الأمن يترددون عليهن... الخ. وهي الطريقة التي استعملها أبو مصعب الزرقاوي في العراق أيضا.
الأطفال لا يتجاوز عددهم 50 طفلا ولدوا أغلبهم في الجبال بينهم من جاء عن طريق الزواج بالفاتحة وآخرون عن طريق علاقات الاغتصاب الجماعي، وتضطر الجماعة إلى أن ينسب الطفل إلى أحد منهم من باب الاحتراس والستر على "المجاهد الصغير" الذي لا ذنب له.
العدد المشار إليه هو في حالة هبوط دائم، ولم يسجل تزايد عدد المسلحين في الجزائر إلا ما بين 1993 إلى غاية 1995، أما ما تلاها فظل تعدادهم في نزول متواصل، وإن كانت قيادة التنظيم تحاول دائما مخادعة المجندين الجدد عن طريق أرقام مغلوطة أو تحويلهم من معسكر إلى آخر، وهكذا يضطرب عندهم الأمر ولا يزرع في نفوسهم أدنى ريبة أو تردد. ونذكر في هذا الإطار أن الجنرال معيزة، وهو من قيادة الجيش مكلف بمكافحة الإرهاب، قد قدر في 2002 أن الجماعات منذ 1992 هي 11 جماعة، وتراجع العدد إلى 3 جماعات في 1997.
إن "القاعدة" هي شعار فقط أو ماركة كما سميناها صارت تستعمل للمبالغة والتخويف والتشويش وخلق الفوضى وإشعال فتائل أخرى في ظل حروب قائمة، والذي كان يعود بالفائدة على المحافظين الجدد في البيت الأبيض أو حتى في إسرائيل، ولو تأتي مجموعة من الأشخاص ولو كانوا من اللصوص ويطلقون على أنفسهم "القاعدة" سيصنعون الحدث الإعلامي حتما وسيكونون محل نقاش سياسي وإيديولوجي دولي، خاصة إن جاء بيانهم حافلا بتهديدات للعالم، فضلا عن أن تقدم مجموعة مسلحة كانت تصنع المشهد الدموي في الجزائر على هذا الإعلان ويرافقه صوت الرجل الثاني في القاعدة الظواهري معلنا ميلاد هذا التنظيم بالتبني وشطب تسمية قديمة وتعويضها بأخرى جديدة ومن دون تغيير يذكر. وقد كان في السابق يحتوي على جماعات تختلف في الأهداف محليا وإن كانت تظهر بعض الاتفاق دوليا، وهو محاربة الاستكبار العالمي والامبراطورية الأمريكية والأطماع الأوروبية، ولا يستبعد تحالفهم مع أمريكا مستقبلا كما كانوا من قبل في أفغانستان أثناء الاحتلال السوفياتي، إن وجهت أمريكا سلاحها لإيران وشيعتها في العراق ولبنان. فيتحالفون مع العدو في منطقة ويحاربونه في أخرى من منطلقات متعددة تفضي إلى التناقض ثم المواجهة ثم الفناء حتما.
كما لا يمكن إخراج "القاعدة" المغاربية من إطارها الدولي حتى وإن كنا على يقين أن الأجندة المتوخاة من خلالها قد استبعدت حاليا لأسباب مختلفة، وأهمها التركيز الأمريكي على الخليج والبحث عن أطر للخروج من حروب صنعتها أمريكا وحققت منها كل ما تريد وإن ظهرت للعالم أنها دفعت الثمن غاليا إقتصاديا وعسكريا وسياسيا.
ما يسمى "القاعدة" في المغرب هي آخر ما أفرخته قاعدة بن لادن، ومنذ ذلك الحين لم تظهر قاعدة جديدة، وهو انتحار أو نشدان للنهاية لسبب رئيسي هو أن الجزائريين اكتووا من نيران الجماعات المتطرفة وأي تنظيم يظهر سيكون مصيره كمصير ما سبقه، والقاعدة في ظل إخفاق غير معترف به في العراق وإن كان حقيقة لا يمكن تجاوزها، وكذلك في الصومال حيث تحول إلى ساحة للحرب الأهلية، هو نوع من السباق نحو مقبرة لن تكون إلا في الجزائر حسب قناعتنا وفهمنا لتركيبة البلاد وتفكير شعبها، وخاصة أنه لا يمكن تحصيل النصر على بقايا هزيمة نكراء.
فكما قلنا إن انقراض أبرز الجماعات المسلحة سواء عن طريق التصفية أو الاستسلام أو بوسائل أخرى لم يحدث إلا في الجزائر، وقد راهن المتابعون للشأن الأمني وحتى بعض المتعصبين أن أول انتصار للإسلام المسلح سيكون في الجزائر، وهو رهان فاشل لم ينطلق من دراسة وافية لطبيعة الأرضية التي أشعل فيها فتيل حرب شعواء دفع ثمنها المدنيون من الأحياء الفقيرة وما أكثرها. فالبلاد التي أخفق فيها الحلف الأطلسي برغم أكثر من قرن و30 سنة من الحرب والتمسيخ ومسح الهوية، لا يمكن أبدا أن يحقق فيها أي مشروع عسكري مخططاته إن لم ينل ثقة الشعب ودعمه.
ليست عادتي أن أتحدث في أشياء تتعلق باستشراف المستقبل، ولكن الموضوع يتعلق براهن حركة إن صحت تسميتها بدأت تتآكل أوصالها منذ فترة وإن كان لها البريق الإعلامي بسبب اقترانها بحادثة 11 سبتمبر 2001 والحرب الأمريكية الشاملة على الإرهاب، في قناعتي أن القاعدة برغم تصاعد الزخم الإعلامي من حين لآخر إلا أنها على أرض الواقع في تآكل مستمر، وهو الذي لا يخدم المحافظين الجدد ولا حتى بعض أدعياء الفوضى الخلاقة في العالم الإسلامي، وما يورط إلا أسامة بن لادن ويدفعه للانتحار.
المد والجزر بين السعودية وإيران!!
لا يمكن فصل نهاية ما سميت "القاعدة" في الجزائر عن نهاية القاعدة الأم حتى وإن كان الرابط بينهما مجرد عقدي ايديولوجي بحت أما التعاون التنظيمي المباشر أو غير المباشر فهو لا يوجد إطلاقا، سوى من خلال تبادل معلومات محدودة عبر بعض المقاتلين الذين يلتحقون من حين لآخر بالعراق، أو عبر شبكة الانترنت من خلال منتديات تتناول أحيانا المعلومات بأساليب مشفرة أو فيديوهات تصدرها مؤسسة "سحاب" والتي في أغلبها تحوي بين طياتها رسائل وأوامر يقدمها بن لادن أو الظواهري للأتباع، وطبقا لشفرة تكون صريحة أو تأويلية أو شكلية أو تركيبية في بعض الأحيان، لا توجد إلا لدى الأمراء البارزين أما الجنود فلا يعلمون عنها شيئا. ومما لا شك فيه أن نهاية أجنحة القاعدة وفروعها في بعض الدول أصبحت واضحة للعيان، فقد حوصرت في العراق وأقصيت من المشهد بنهاية الزرقاوي في جوان 2006 بالرغم من رهان بن لادن على هذا التنظيم في فرض أجندته على الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أبو عمر البغدادي لم يفلح في الحفاظ على نفوذ التنظيم وحضوره، وإن بقي يتردد صوته عبر جرائم شنيعة تقترف من حين لآخر في حق العراقيين أو منتديات الانترنت.
وطبعا يعود ذلك لدور إيراني من خلال توقيف الإمداد أو اعتقال بعض النشطاء على ترابها والذين من خلالهم تحصلت المخابرات الإيرانية على معلومات حول أخطبوط القاعدة في العالم وهو الذي استغلته في صراعها مع الغرب. وأيضا من خلال دعم ميلشيات شيعية موالية لها مثل "جيش المهدي" الذي يتزعمه مقتدى الصدر، والذي لعب دورا محوريا في فرض الأجندة الإيرانية داخل العراق.
وحتى السعودية أيضا لعبت دورا من خلال المقاومة السنية التي حاربت القاعدة، وطبعا كان ذلك من أجل التعاون مع الأمريكان وأيضا من أجل إبعاد مخاطر التنظيم عن ترابها، وخاصة أن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب كان يشكل خطرا واضحا على المصالح السعودية في الداخل والخارج، فضلا عن كل ذلك أن الشبهات لاحقتها بسبب تورط عناصر سعودية وجمعيات خيرية في أحداث 11 سبتمبر إلى جانب أن المطلوب الأول عالميا كان محسوبا عليها وكان يؤدي دورا سعوديا بامتياز بأفغانستان في إطار الوجه الآخر للحرب الباردة والتصدي للخطر الشيوعي الزاحف حينها، وإن كنا على يقين من أن المبالغات فيه تجاوزت حدا لا يمكن وصفه لحسابات كثيرة ليس المجال لبسطها.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الصراع السعودي الإيراني ظل قائما، ويظهر كثيرا في مواقع النزاع مثل ما يجري في العراق أو في صعدة اليمنية أو حتى في باكستان وأفغانستان، وهو الذي تحرك من أجل الظهور في الجزائر مطلع التسعينيات غير أنه فشل نظرا لخصوصية الفتنة الجزائرية، فضلا عن كل ذلك أن النظام القائم حينها تفطن إلى ذلك واستطاع وأد المخطط في المهد من خلال التحرك الدبلوماسي في الرياض أو الأمني بالتعاون مع سورية وتركيا، وأيضا بالموقف الحازم مع طهران حيث أقدمت السلطات في البداية على إبعاد 7 دبلوماسيين إيرانيين وسحبت السفير الجزائري عبد القادر حجار ثم وصلت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية في مارس 1993.
ونذكر في هذا السياق المحاولات الإيرانية لخلق "حزب الله" في أدغال الجزائر من خلال محفوظ طاجين، وقد كان أميرا لـ "الجيا" خلفا لشريف ڤوسمي الذي قضت عليه مصالح الأمن في سبتمبر 1994 والذي تنقل لمعاقل "حزب الله" في لبنان عام 1991 وتلقى تكوينا هناك. وأيضا من خلال شبكات تنقلت لإيران وتلقت التدريبات في ثكنات الحرس الثوري وآخرها مجموعة حمدي باشا المدعو سيف الدين التي تم توقيفها في جانفي 2000 تتكون من 7 عناصر بينهم من تنقل من دمشق إلى إيران وتلقى تدريبات عسكرية في ثكنة تبتعد بـ 160 كم عن طهران في مارس 1998 حسب ما جاء في إفادات المتهمين.
أيضا ما نقلته الصحيفة البريطانية "ديلي تلغراف" في تقرير لها، إبان التهجم الإيراني على الجزائر بسبب حل حزب جبهة الإنقاذ، من أن طهران وعدت الحزب المحل بمبلغ 5 ملايين دولار في حال وصوله إلى السلطة... الخ. أما مع الجانب السعودي فقد تحركت الآلة الدبلوماسية ومن خلال وزير الدفاع حينها الجنرال خالد نزار الذي تنقل الى السعودية وأخذ عهدا من المملكة بوقف الإمدادات المالية للفيس المحظور.



الحلقة الخامسة : لهذه الأسباب ستندثر الجماعات المسلحة في الجزائر


من خلال متابعة شأن القاعدة تبين أن رهان السعودية على بن لادن كان إبان الحرب الأفغانية السوفياتية بالتدعيم المالي وفتح مراكز تدريب المتطوعين، واليوم صار لها رهان آخر وذلك عن طريق محاربة تنظيمه بكل الوسائل، وطبعا في كل المراحل كانت الفتوى هي السلاح الذي يعتمد عليه في إثارة المشاعر الدينية لدى الناس. أما إيران بدورها جعلت من القاعدة ذلك اللغم الذي تستعمله حسب ما تمليه مصالحها، فقد تتحالف معها في بلد كاليمن وتسعى لاحتوائها في العراق، وقد تحاربها في قطر آخر مثل لبنان عن طريق «حزب الله»، أما على أرضها فلا مكان لها ولا لعناصر منها، خاصة أنها محسوبة على السنّة النواصب حسب التوصيف والتقدير العقدي الشيعي الإيراني.

قشور بلا لباب في فلسطين
دخول فلسطين هو من أبرز محطات الفشل في عمر تنظيم القاعدة وخاصة أنه يعتبر ذلك مرحلة مهمة إن لم تكن ما قبل الأخيرة، والنهائية تتمثل في حلمهم لإعلان »الخلافة الإسلامية« وإسقاط كل الأنظمة العربية. كما هو معروف في أدبياتهم ومخططاتهم البعيدة المدى أو حتى القريبة منها، هو الدخول في حرب مباشرة مع إسرائيل وضرب مصالحها، وذلك في عقر دارها وليس في بلدان أخرى.

لم تتمكن القاعدة من تشكيل فرع لها في فلسطين والتي تعتبر البلاد العربية الوحيدة التي تعيش على وقع حروب طاحنة وأخفق التنظيم أن يخلق بها جناحا يواليه، بالرغم من أنها لبّ القضية في أطروحاته العقدية والإيديولوجية. فقد ظهر في العراق وأخفق ولم يبق إلا في أفغانستان وممثلا في شخص بن لادن وذراعه اليمنى الظواهري حتى وإن كان في بعض الأحيان مجرد تواجد معنوي وليس جسدي، والملاحظ أن بن لادن وضع بيضه كله في سلة طالبان وتحت أقدام الملا عمر يحركها حيثما يشاء ووقتما يريد.

لقد راهن التنظيم كثيرا على جماعة »جند أنصار الله« وأيضا جماعة »فتح الإسلام« في مخيمات نهر البارد بلبنان حتى تكون منطلقا لتحقيق الهدف، ولكن نهاية عبداللطيف موسى المكنى »ابوالنور المقدسي« في أوت 2009 على يدي حركة حماس، وأيضا نهاية شاكر العبسي ـ حتى وان تضاربت المعلومات عن مصيره ـ وجماعته في مايو 2007 بسلاح الجيش اللبناني وبإيعاز من »حزب الله«، جعل رهان القاعدة فاشلا لأجل خلق جناح مسلح في فلسطين والتي هي القضية المحورية التي تستغل من أجل اللعب على المشاعر الدينية لدى الناقمين على ما آل إليه الوضع الفلسطيني وخاصة في ظل حصار أمريكي إسرائيلي مصري معلن على قطاع غزة وصار مليون ونصف مليون مواطن مهددون بالإبادة عن طريق التجويع بعدما فشلت آلة الدمار بالفسفور الأبيض في هولوكوست جانفي 2009. بل لم يقتصر الفشل على الداخل الفلسطيني بل وصل حتى لدول الجوار وعلى رأس ذلك لبنان التي هي في تماس مباشر مع إسرائيل، إضافة لأحداث نهر البارد نذكر قصة إسماعيل الخطيب الذي تعتبره جهات أمنية أول قائد فعلي للقاعدة في لبنان، وأنه قد كانت له محاولات فاشلة لتأسيس التنظيم قبل وفاته الغامضة وهو بالمعتقل في 2004.

كما تجدر الإشارة إلى أنه توجد مجموعة أطلقت على نفسها »كتائب أنصار السنة« وهي إحدى تشكيلات السلفية الجهادية، إلا أن نشاطها محدود للغاية كما تتعرض لحصار أمني كبير يعيقها عن التمدد وزرع فكرها الذي يظهر في حيثياته موالي للقاعدة إلا أنه لم يتم الإعلان الرسمي عن ذلك، وآخر الضربات الموجعة هو مقتل 3 من عناصرها في غارة إسرائيلية بتاريخ 10 / 01 / 2010.

لقد اتهم من قبل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس حركة حماس باستقدام القاعدة لغزة، في حديث الى صحيفة »الحياة« في 27 / 02 /2008 حيث قال أبومازن: »القاعدة موجودة في غزة واعتقد أنهما حلفاء. اعتقد أن ذلك الوجود للقاعدة تم بتسهيل من حماس وفي غزة بالتحديد«. ولكن ظل ذلك مجرد إتهام أو فبركة إعلامية أو تراشق لفظي يدخل في إطار الصراع القائم بين فتح وحماس على السلطة والقطاع. ولحد اللحظة لم يظهر أي دليل يثبت تواجد التنظيم في فلسطين، وما يجري هو مجرد تخمينات واتهامات يراد منها تأليب الدول العظمى وحتى أنظمة الممانعة على المقاومة في فلسطين. ويكفي أن طوني بلير مبعوث الرباعية للشرق الأوسط عزف على وتر جعل حماس مثل القاعدة في حديث أدلى به مؤخرا لصحيفة »هآرتس« العبرية (09 / 01 /2010).

بذور الفناء في عالم متقلب
كل شيء في الوجود يحمل بذور فنائه ونهايته، والقاعدة منذ ظهورها الفعلي كانت أسباب النهاية ترافقها وواضحة للعيان برغم محاولات التجاهل المختلفة، وتوجد عدة عوامل يمكن أن نصفها في خانة الأسباب التي سهلت نمو بذور الفناء وتكاثرها، بل جعلت نهاية القاعدة في طبعتها الحالية هي الأقرب عكس ما قد يراه غيرنا، بل أنها منذ رهانها على المنطقة المغاربية انطلاقا من الجزائر قد غامرت نحو النهاية الانتحارية، فالجريح الذي رأى نفسه قد هلك غالبا ما يقوم بحركات طائشة.

1- أسباب من داخل التنظيم نفسه

نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولا: أخطرها تلك الصراعات الداخلية التي هي دليل على الإحباط النفسي والمعنوي، وقد ظهرت ما بين أمراء منطقة القبائل والتي كان يمثلها مؤسس وأمير »الجماعة السلفية« الأسبق حسان حطاب ولم ينته الأمر طبعا حتى ولو كان قد سلم نفسه فيوجد جناح آخر ينشط في منطقة القبائل ويمتد حتى إلى تخوم بومرداس. ومن جهة ثانية نجد جماعة الوسط أو ممكن تسميتها »جماعة مفتاح« والتي يتزعمها عبدالمالك درودكال المكنى »أبومصعب عبدالودود«، وعرف عن هذه الجماعة تزمتها وتطرفها في مسألة القيادة، بل ترفض أي نفوذ ولو كان محدودا من طرف أمراء ينازعون دروكدال الإمارة وبعض مسائل التسيير. أما الجهة الثالثة التي دخلت على خط المواجهة هي ما تعرف بإمارة الجنوب والتي هي نفسها مقسمة إلى جناحين واحد محسوب على مختار بلمختار »الأعور« الذي تحوم حوله شبهات عديدة من بينها أنه على تتصال مع السلطات لأجل تستفادته من ميثاق السلم والمصالحة، وأيضا دخوله في تحالفات ومواجهات مع مافيا التهريب بالجنوب. أما الجناح الثاني فهو الذي يتزعمه يحيى جوادي وهو ينافس لإثبات وجوده وتعزيز قوته.

وقد جمعني حديث مع مسجونين كانوا أمراء ومقاتلين في صفوف الجماعات المسلحة وأكدوا لي أن الجهوية والخلافات من النوع الذي ذكرنا هي التي عصفت بهم، وسهلت مهمة مصالح الأمن في الوصول إلى معاقلهم ومن لم يفلحوا في القضاء عليه فيقتل من أجنحة أخرى متناحرة. أما في الجهة الشرقية يسجل جناح يقوده المدعو »الشيخ منير« والموالي لدروكدال وجناح آخر يتزعمه أحدهم يتحدر من منطقة وادي سوف ولايزال مواليا لعبدالرزاق البارا الذي كان أميرا للمنطقة السادسة وهو موقوف حاليا وتشير المصادر الأمنية أنه من العرابين للمصالحة الوطنية على غرار رفيقه حطاب.

ثانيا: مما يسجل أيضا ويدفع إلى التذمر الرهيب داخل تنظيم دروكدال هو اتهامه بالانحراف عن ميثاق »الجماعة السلفية للدعوة والقتال« التي خرجت من رحم »الجماعة الإسلامية المسلحة« والتي كفرتها وأخرجتها من الملة بسبب اتباعها لمنهج الخوارج، حيث حاولت تجاوز تلك الدموية التي كان عليها عنتر زوابري أو جمال زيتوني أو حتى نورالدين بوضيافي آخر الأمراء والموقوف حاليا تحت طائلة حكم بالإعدام وقضايا كثيرة ومتعددة. وهذا التذمر تم إخفاءه لمرحلة معينة بهالة تزكية القاعدة وأسامة بن لادن لهم وهو ما اعتبر نصرا مؤزرا، ولكن سرعان ما طفا على السطح مجددا بسبب أن الأمور لم تتغير أصلا والشيء الوحيد هو التسمية التي لم تأت بالخير سواء ماليا أو عسكريا كما كان يخيل. نشير في هذا السياق إلى ما أحدثته وثيقة صدرت من التنظيم وأساءت إلى العلماء بينهم عبدالرحمان السديس وعبدالعزيز بن عبدالله آل شيخ، سلمان العودة، سعيد رمضان البوطي، يوسف القرضاوي... الخ، الذين أدانوا التفجيرات. نشرية أصدروها كرد فعل على الإساءة قد لمحت إلى كل من مبرك يزيد وكنيته »يوسف العنابي« وهو رئيس مجلس أعيان دروكدال ومن قدماء نشطاء »الجيا«، وجوادي يحيى وكنيته »ابوعمار« وهو أمير سابق بالجهة الغربية في تنظيم »الجيا« وقيادي بارز في ما يسمى »تنظيم القاعدة«، وقاسمي صلاح وكنيته »أبوصلاح محمد« رئيس ما يطلق عليه اللجنة الإعلامية. ووصفتهم بالمفسدين في الأرض والإرهابيين. وكان ذلك مؤشرا على تفجير داخلي يهز التنظيم سرعان ما خفت وجرى احتواءه لكن ظهرت بعض بوادره لاحقا باختفاء صلاح قاسمي لفترة وراجت حوله الأخبار بأنه يستعد لتسليم نفسه أو حتى مقتله، وأيضا جوادي الذي يرفض الكثير من قرارات دروكدال ويحاول التفرد بجماعته والسيطرة على الصحراء، مما قد يعجل بمواجهة مسلحة مستقبلا بين الأطراف المتصارعة بسبب خلافات فقهية وعقدية ومالية وكذلك التعارك على الغنائم والمناصب والنفوذ الجهوي.

وفي السياق نفسه نذكر ما راج أيضا حول اجتماع للأمراء في منطقة جراح الجبلية على الحدود بين تيزي وزو والبويرة شهر سبتمبر 2007، وتم خلالها إبعاد دروكدال عبدالمالك عن الإمارة وعين بدله آخر يدعى أحمد هارون. ولكن دوما يجري إحتواء الموقف بطرق مختلفة، وتقول بعض المصادر أن أحمد هارون تعرض لإصابات طائشة كادت تودي بحياته.

ثالثا: المعترف به كثيرا سواء داخل التنظيم أو خارجه هو إفلاس الخطاب التعبوي الذي يحفز المقاتلين على المضي قدما في حربهم أو حتى كسب ود أطراف جديدة تشكل الدعامة الرئيسية للدعم والإسناد والذي هو شرط البقاء والاستمرار، فقد أفلحت مصالح الأمن في تفكيك أغلب شبكات الدعم في الشرق والغرب والجنوب والشمال، وبتوقيف عناصر لم تكن ملاحقة بأي شبهة ولا هي معروفة لدى الأمن، جعل التنظيم يفقد شبكاته التي كانت هي شريان الحياة له، ولا يمكنه أن يغامر بوجوه مشبوهة والتي ستكون رأس الخيط الذي يجعل الجيش يدك معاقلهم ويفسد خططهم.

ومن جهة أخرى عجز في تجنيد شبكات جديدة وهذا يعود بالأساس لانعدام الخطاب التعبوي الجاد سواء عن طريق الأشرطة أو الأنترنيت أو المنشورات. ولا يوجد أيضا خطاب مقنع للجيل الجديد الذي يتطلع لمستقبل أفضل وربما يحلم بالضفة الأخرى ولو بالمغامرة في أعماق المحيطات. وحتى استغلال حالة الاحتقان التي يعيشها العالم الإسلامي أخفق فيها التنظيم كثيرا، فالوضع في العراق برغم تواجد الإحتلال تورطت فيه القاعدة وأدمت الشعب المغلوب على أمره، بل أن الزرقاوي صار وبالا على العراقيين أكثر من الاحتلال نفسه حسب الكثيرين ممن تحدثنا إليهم. أما فلسطين فهي بدورها لم يستطع التنظيم استغلالها لدغدغة مشاعر الجزائريين للرصيد السيء الذي يمتلكه قادته منذ أيام »الجيا« التي نحرت القرى وأبادت العائلات بصور مقززة فاقت ما يقوم به الصهاينة في غزّة والقدس المحتلة.

وتفيد مصادر متعددة أنه بسبب الخطاب الفاشل سواء على المستوى الديني الذي أفلس بمواقف علماء أجلاء يشهد لهم بالنزاهة والعدل، أما الخطاب السياسي فهو منعدم ويرجع إلى محدودية المستوى الذي يتمتع به نشطاء التنظيم، فأغلب من يتزعمون سراياه وخلاياه ممن لم يكن لهم أي ماضي سياسي بل برزوا في جبهة القتال فقط. هذا عكس ما كانت عليه الأمور في الفترة الممتدة ما بين 1992 ـ 1995 والتي كان في واجهة العمل المسلح أسماء برزت في مشهد جبهة الإنقاذ المنحلة مثل محمد السعيد وعبدالرزاق رجام وباعة وبوبكر زرفاوي... الخ. أما الخطاب العسكري فهو غير أكاديمي ولا متخصص محترف، لأن الذين يدربون اكتسبوا المهارات القتالية وتكتيكاتها من خلال تواجدهم في الميدان ولا يوجد إلا القلة القليلة التي كانت لها نصيب من التدريب بحكم أداء الخدمة الوطنية أو العمل في المؤسسة العسكرية لسنوات. فالقتال عندهم يخضع للعشوائية والمباغتة في الكمائن وفق حسابات ومصطلحات خاصة اخترعوها ولقنوها لبعضهم بعضا.



الحلقة السادسة: أزمة أخلاقية تنخر "قاعدة المغرب" والعمليات الانتحارية محل خلاف


من بين أخطر الأمور التي عصفت بتنظيم درودكال الذي فضل تسميته "القاعدة" هي العمليات الانتحارية التي أثرت تأثيرا بالغا عليه، فمن ناحية الحكم الشرعي الذي لفته تناقضات كثيرة.

فإن كان درودكال أخذ بالجواز وبأدلة شرعية واهية فإن أغلب العلماء المعروفين حرموا العمليات الإنتحارية ويوجد من حرمها حتى في فلسطين من أمثال الألباني وابن باز والعثيمين وصالح الفوزان والراجحي وآل الشيخ وجابر الجزائري. وحتى الذين أجازوها في حالات الحرب فقد وضعوا لها ضوابط وأطرا لا تتوفر أصلا في حال ما يحدث في الجزائر، ومن بينها أن تكون في حال الإشتباك مع العدو من غير المسلمين ومن أجل إلحاق الضرر به، وهو ما أطلق عليه ابن تيمية الإنغماس في العدو وكتب في ذلك رسالة سماها "قاعدة الإنغماس في العدو".
رابعا: تبرأ أمير ما يسمى "الجماعة السنية للدعوة والقتال" لسلوس المدني المدعو عاصم والذي خلف عبدالقادر صوان "أبو ثمانة" على رأس التنظيم، تبرأ من القاعدة في الجزائر ووصفها بأنها جماعة مرتزقة، وعلى ذكر صوان فتشير بعض المصادر الأمنية أنه تمت تصفيته من طرف عاصم بسبب ميثاق السلم والمصالحة وآخرون يذهبون إلى وفاته بداء السكري، ويوجد من أكد مقتله في كمين عسكري.
حتى من العراق فقد نقل عن المدعو عبدالله خليل الهلالي "أبو تراب الجزائري" أمير تنظيم القاعدة في شمال العراق معارضته للعمليات الإنتحارية، بل بعض مراجع القاعدة حرموها نذكر مثلا المنظّر السوري الذي يعيش في لندن أبوبصير الطرطوسي واسمه الحقيقي عبدالمنعم مصطفى حليمة، والذي أكد في فتواه المؤرخة في 24 أوت 2008 أن تلك العمليات هي أقرب للإنتحار منها للإستشهادية وهي حرام ولا تجوز أصلا لاقترانها بمحاذير عديدة من بينها أنها تعني بالضرورة قتل المرء لنفسه، وأنه في الغالب يؤدي إلى قتل الأنفس البريئة المعصومة... الخ.
أما من جهة ثانية وفي ظل انعدام المجندين الجدد إلا في حالات تعد على الأصابع ولا يمكن أبدا أن تعوّض النزيف سواء بضربات أمنية أو حتى الهاربين من المراكز من أجل الإستفادة من العفو، فالعمليات الإنتحارية لم تحقق الرسالة المطلوبة والتي أهمها الضغط الدولي على الجزائر وإحراج الحكومة في الخارج، وخاصة عندما تستهدف مؤسسات رسمية أجنبية، وما يسقط فيها إلا المدنيون برغم التجاهل والتلفيق الذي يمارسه مقص الرقيب في الهيئة الإعلامية التي يتزعمها صلاح قاسمي، إلا أن ذلك شكل قاصما لظهر التنظيم. ومن جهة أخرى أن خسارة مجندين في هذه العمليات لا يمكن تعويضها، حيث يقدم أحدهم بسيارة مفخخة أو حزام ناسف ويقتل مواطنين ثم يتمزق أشلاء أمر لم يستفد منه التنظيم أصلا.
وتشير مصادرنا أن العمليات الإنتحارية التي غابت عن المشهد الأمني الجزائري ليس بسبب فعالية الأجهزة الأمنية فقط، بل أيضا وقع ضغط رهيب على درودكال الذي عزم على منهجه التكفيري في مواصلة العمليات إلى آخرها، وحجته بعد الأدلة الشرعية التي ساقها على هواه، يوجد جانب آخر أن إنتحار مجند في وسط مركز آهل بالسكان يؤدي إلى مقتل العشرات أفضل من أن يموت جوعا أو تقتنصه رصاصات الجيش وجماعات الدفاع الذاتي. وتشير مصادر أمنية أن حاشية "أبومصعب عبدالودود" التي كلها من نشطاء "الجيا" الذين شاركوا في مجازر عديدة يوّدون التصعيد كإقتراف المجازر في الأرياف والمجازفة بإختراق بعض الأحياء المنبوذة، ولكن القضية لا تزال محل خلاف وصراع بسبب التوّجهات العقدية وحتى الإحتراسية من رد الفعل المفاجئ.
أزمة أخلاقية تعصف بالتنظيم
خامسا: انتشار أزمة أخلاقية في صفوف التنظيم كاللواط وخطف النساء لأجل الزنا الجماعي والسرقة والغيبة والنميمة والشكوك والبهتان، وتفشي شهادات الزور على بعضهم البعض لأجل كسب ودّ القيادة ولو كان على حساب أحد المستضعفين ويطلقون عليه في ما بينهم بمصطلح مبتدع "التشربيك"، وكذلك نجد تعاطي المخدرات التي يأخذونها من المهربين عبر الجبال ولا أحد منهم يمكنه التبليغ عنها، واستهلاك الحبوب المهلوسة... الخ. حيث تشير بعض المصادر الأمنية أن نسبة كبيرة من المنتحرين كانوا مخدرين وفاقدين لوعيهم وهو ما ذهب إليه وزير الداخلية يزيد زرهوني، حيث صرح في فيفري 2008 أنه بعد التحقيقات الأمنية التي أجريت حول منفذي العمليات الإنتحارية أكدت أن 9 من أصل 11 يتعاطون المخدرات. بل بعض المشاهد التي بثت عبر شبكة الأنترنيت لمنتحرين تثبت أنهم في غير حالتهم الطبيعية إطلاقا فالإقدام على الموت يؤثر على ملامح الشخص ويهز وجدانه غير أن المنتحر يكون قد تعاطى شيئا أفقده وعيه وجعله يتلفظ بطريقة غريبة أو حتى ضحكاته التي يطلقها لا يمكن أن تصدر من عاقل مقبل على قتل غيره بطريقة بشعة للغاية.
وهنا نشير إلى شارف العربي المكنى أبوعبدالرحمن عبدالناصر العاصمي الذي فجر المجلس الدستوري في 11 ديسمبر 2007 والذي استفاد من ميثاق السلم والمصالحة الوطنية وغادر سجن الحراش في ماي 2006، والذي عرفته عن قرب، حيث كنت سجينا معه لأشهر، وعند مشاهدتي لصورته على الأنترنيت أؤكد على أنه في غير حالته العادية من ناحية الملامح والسلوك وطريقة الحديث والنظرات والصوت، وفضلا من كل ذلك أنه لم يكن تكفيريا ولا متدينا وكان يتعاطى التدخين سرا وفي المراحيض حتى لا ترقبه عيون أعوان أمير القاعة التي يتواجد بها. بل ظل مدمنا على أقراص تمنح للمرضى نفسيا أو ممن لديهم حالات عصبية، وكان يتحصل عليها خلسة عن طريق عناصر من مساجين الحق العام.
لقد جمعني الحديث به مرات متعددة في شؤون الإرهاب والإسلام السياسي وكان العربي دوما يسخر من الجماعات المسلحة، بل تلك الضوابط المتشددة التي يفرضها أمراء القاعات بجناح القضايا الخاصة، ويراها مجرد عبث سيتحرر منه عشية مغادرته السجن. بل نصحته مرارا أن يقلع عن تناول تلك الأقراص، وكان يبرر لي ذلك بالأرق الذي يصيبه أحيانا ولا يستطيع النوم لأيام، وأكثر أنه أدمن عليها لأنها تجعله يعيش في عالم وردي ساحر ينسيه مرارة السجن وظلم الأمراء له.
شارف العربي كان يحلم بفتح مشروع تجاري كبير ويتزوج من فتاة ظل يحكي لي عنها وطالما اتصل بها من هاتفي المحمول الذي استطعت الحصول عليه، وكان المتزمتون يمنعون الإتصال بالنساء إلا الأمهات والأخوات، أما الزوجات فوضعوا ضوابط معينة للتحدث ويحظر المغازلة بمبرر الفتنة التي قد تلحق الآخرين أو تؤثر على المساجين وتؤدي إلى إنتشار اللواط الذي يشتبهون فيه كثيرا ولو يجمع حديث متكرر بين شاب أمرد وآخر أكثر منه سنا ستلاحقه الشبهة حتما ويتعرض إلى ما لا تحمد عقباه. والسبب الذي وصلت إليه هو أن الظاهرة إنتشرت في السجون والجبال أيضا، فقد كان في التسعينيات يقام الحد قتلا على من يثبت ممارستهم للفاحشة، ويرمون من قمم الجبال وبصورة بشعة ولو كان الأمر مجرد شبهات. أما في مرحلة "الجماعة السلفية" فقد صارت تواجه بالتكتم من أجل عدم خسارة عنصرا من تعداد الجماعة، ويفضلون التوبة المعلنة على إقامة الحد، فضلا من أن الأمر لا يمكن محاربته وأكثر من ذلك صار يستغل بتوريط أمير غير مرغوب فيه عن طريق مراهق يحمل مواصفات خاصة، وصارت تصفية الحسابات تحدث بما لا يمكن تخيله.
أحيانا يتعرض من يرتكب مخالفة أو يشتبه فيه بالتورط إلى تعزير كالهجر لأيام أو تكليف بالخدمات من تنظيف وطهي أو الجلد إلى حد 60 جلدة، وهو الذي تعرض له مثلا المدعو عبدالكريم وكنيته أبوعبدالمالك (25عاما) من دلس، التحق بالجيا عام 1995 . وأيضا المدعو عبدالفتاح وكنيته جولايي (22 عاما) من ذراع بن خدة التحق بالتنظيم نفسه عام 1996 ورفيقه عبدالنور وكنيته أبوعبدالله (35عاما) من ذراع الميزان. وسبب جلدهم هو القبض عليهم بجبال ميزرانة من طرف أميرهم المدعو عباس وهم يدخنون المخدرات.
شارف العربي كان يلجأ عندي لأنه يعرف أنني صحفي وكاتب ولا يمكن أن تأتي مني الوشاية ضده، فيتصل بعشيقته وكان يتبادل معها الغزل بألوان مختلفة ويحلم معها ببيت جميل وأسرة هادئة. وظل يخبرني بما يجري في القاعة التي كان ينزل بها وهي التي يطلق عليها "إمارة السجن" من تصرفات وسلوك منحرف لا يمكن تخيله.
سادسا: أمر هام لا يمكن أن نغفل عنه ويتعلق بالأسلحة والذخيرة والأسمدة التي تستعمل في صناعة المتفجرات، فكما هو معروف أن "الجماعة السلفية" تتوفر على أسلحة خفيفة بينها تلك التي ورثتها من قبل عبر مسيرتها الإرهابية من الجماعات التي خلت، وتوجد أخرى تتحصل عليها عن طريق الكمائن التي تستهدف الجيش أو الدرك أو الحرس البلدي. ولكن بالرغم من كل ذلك تذهب مصادرنا إلى أن التنظيم بدأ يتململ ويتخوّف من شحّ مصادر التموين وخاصة بالذخيرة، فطرق تهريب السلاح من الجنوب صارت محاصرة للغاية، وكذلك عبر الحدود الشرقية والغربية، حتى شبكات مافيا السلاح التي كانت من قبل وسيلتهم قد تعرضت لضربات موجعة وتمّ توقيف الكثيرين ممن يتاجرون بالموت. فالعمليات التي تستهدف القوات النظامية يهدفون من خلالها الحصول على الأسلحة والذخيرة وليس إثبات القوة كما يروّج التنظيم وبعض المحللين.
ممن تابع الشريط الأخير الذي وزعه تنظيم درودكال تحت عنوان "التحق بالقافلة"، حيث يظهر المتدربون وهم يستعملون الطلقات الحية هي إشارات تثبت بالفعل أنه يوجه رسائلا لأتباعه على ما صار يؤرقهم كثيرا، ويريد التأكيد على توفرّ الذخيرة إلى حد إستعمالها في التدريب، وإن كان أحيانا يلتبس الأمر على المشاهد لأن الطلقات المستعملة تدريبية فقط وليست حيّة.
2- أسباب وطنية
على المستوى الوطني فتوجد أسباب كثيرة ومتعددة لا يمكن حصرها في هذا المقام لكن نرى من الضروري ذكر البعض منها
أولا: مما لا شك فيه أن الأجهزة الأمنية الجزائرية اكتسبت تجربة ومهارة في محاربة الجماعات المسلحة على مدار ما يقارب العشرين عاما، وهي في حد ذاتها تجربة أعطت هذه الأجهزة خبرة قوية واحترافية في مواجهة كل مخططات هذه الجماعات التخريبية سواء عن طريق حرب العصابات التي عايشتها الجزائر في مطلع التسعينيات أو من خلال السيارة المفخخة والعمليات الإنتحارية والكمائن والتمشيط في الأدغال والأحراش، هذا العمل الطويل والنفس القوي في مواجهة حرب كانت ستقضي على الجزائر وتحولها إلى أفغانستان أخرى بالشمال الإفريقي، وضع "القاعدة" تحت سيطرة لم تكن متخيلة حتى لدى الخبراء الإستراتيجيين الذين تخوّفوا كثيرا من إعلان الظواهري وتوقعوا حربا دموية لا تختلف عما يجري في العراق، والسبب الذي أوصل لهذه الأحكام المسبقة هو جهلهم التام بطبيعة الحرب التي دارت رحاها مع هؤلاء الغلاة. فإحكام القبضة الأمنية بعد احترافية الأجهزة كما ذكرنا هو من أهم العوامل الرئيسية والأساسية التي يشتكي منها كثيرا حتى التنظيم نفسه، سواء بالقول الصريح أو التلميح أو حتى بلسان الحال من خلال الأشرطة التي تبث وتظهر تدريبات مضنية يخضع لها المجندون. فقد فككت مصالح الأمن شبكات دعم كثيرة واستطاعت أن تقضي على خلايا وأمراء وسرايا هذا التنظيم وبوسائل مختلفة وفي أحداث معقدة.
حتى بالنسبة لنشاط دعم قاعدة الزرقاوي في العراق فقد تعرضت لضربات قوية وذلك بالتعاون الإستخباري بين الجزائر ودول الجوار خاصة دمشق، وذلك بتفكيك شبكات تجنيد المقاتلين الممتدة من الجزائر إلى سورية، أو بتوقيف مقاتلين قبل بلوغهم المراد ويوجد من تم إسترجاعه بالحدود العراقية وهو على مرمى حجر من معاقل القاعدة، بدعم من شبكات التهريب التي وجدت ربحها الوفير في هذه التجارة.. ونذكر على سبيل المثال شبكة المصري ياسر سالم المكنى "أبوجهاد" برفقة الجزائريين لحمر عواد وحاج نعاس الذين تم توقيفهم في جانفي 2004 بتهمة تحويل وتموين رحلات نحو 300 جزائري للقتال في العراق بين عامي 2003 - 2004، وكذلك شبكة س ـ عبد الحميد المكنى "أبوالهمام" أمير ما يسمى جماعة "أنجاد الإسلام" التابعة لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، والذي أوقف بمطار هواري بومدين بالجزائر العاصمة صائفة 2006 وهو عائد من سورية... الخ.
إضافة لكل ما سبق نذكر تسليح الجيش حتى غدت الجزائر من أكبر الدول التي تسابقت نحو التسليح في إفريقيا، حيث أبرمت صفقات مع الفرنسيين والروس بمبالغ ضخمة قدرت آخر الصفقات بعشرة ملايير دولار أمريكي، وتتجه أيضا نحو الولايات المتحدة لتعزيز قواتها وإحترافية جيشها. وطبعا هذا التزوّد بمعدات متطورة للغاية سيعزز قوتها في مجال مكافحة الجماعات المسلحة وإرهاب القاعدة التي ستكون بين فكي كماشة.
ثانيا: بلا شك أن قوانين الرحمة التي أصدرها الرئيس الأسبق اليمين زروال، وخيار الوئام المدني في 2000 ثم ميثاق السلم والمصالحة الوطنية سنة 2005 - برغم النقائص التي ليس المجال للبسط فيها ـ قد فكك الكثير من قوة الجماعات المسلحة وكان أكبرها العفو الشامل الذي إستفاد منه ما يسمى بالجيش الإسلامي للإنقاذ وأدى إلى نزول ما لا يقل عن 6000 مسلح، وبعدها جاء ميثاق السلم والمصالحة الذي هز أركان "الجماعة السلفية" وأدى إلى إستسلام مؤسسها حسان حطاب وبعض أتباعه، كما أنه لا تزال معاقل هذا الجماعة التي سمت نفسها "تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" تعيش التململ الداخلي والصراع بين عدة أجنحة حول هذا المشروع


الحلقة السابعة : أطروحة "من يقتل من" فشلت فشلا ذريعا لأنها مناورة أجنبية لا علاقة لها بالحقيقة


ثالثا: توسع دائرة النقمة الشعبية من نشاطات هذه الجماعات، فقد كانت "الجماعة السلفية" بعدما انشقت من تحت عباءة عنتر زوابري وتياره التكفيري الدموي أرادت أن تكسب الود والدعم الشعبي من خلال محاولاتها تبييض وجهها من جراء السواد الذي لحق كل المسلحين من مجازر وجرائم "الجيا"، ولكنها أخفقت وخاصة أن قيادتها لم تستطع السيطرة على مجنديها فصاروا يمارسون الحرابة والسرقة والاعتداءات المتكررة على المواطنين والابتزاز والاختطافات التي استهدفت في غالبها مدنيين من رجال أعمال ومقاولين ومؤسسات خاصة. بل يفرضون الجزية على المواطنين، وقد أصدر في ديسمبر 2008 أحدهم يدعى أبوتراب الجزائري فتوى تحت عنوان "الصارم الباتر على رقاب نصارى الجزائر" دعا فيها "الجماعة السلفية" إلى وجوب إرغام القبائل - متنصّرين أو مسلمين- على دفع الجزية وهم صاغرون على حد تعبيره.



لقد ظنّ المسلحون بعد الأغلبية الساحقة التي حققها الإسلاميون في انتخابات 26ديسمبر1991 أنه بمجرد إعلانهم التمرد والثورة على النظام سيجدون الشعب كله تسلح عن بكرة أبيه لخدمتهم، وهو الذي لم يتحقق والسبب أن الشعب يريد السلم والأمن والاستقرار ليس الحرب والدماء والدمار. واليوم بعد تلك المسيرة الدموية فقد كان رهان القاعدة الأم على الجزائر هو خطأ فادح ومغامرة غبية للغاية نظرا للسمعة السيئة التي يتمتع بها هؤلاء المسلحين بين طوائف الشعب، الذين آذوه في روحه وماله وعرضه وكرامته وخبز صغاره. وأكثر من ذلك أن إستمرار الحرب على المدنيين تواصل مع العمليات الإنتحارية التي تؤكد قوائم الضحايا أن أغلبهم من عموم الشعب. فمشاهد "الجيا" في بن طلحة والرايس والرمكة وحتى تفجيرات شارع العقيد عميروش وساحة الأمير... إلخ، لم تغادر المخيل الشعبي حتى أعاد درودكال وبتزكية من الظواهري تلك المشاهد الدموية مما أسقط بن لادن في الوحل رغم وجود المتعاطفين معه من عموم الناس وخاصة في صراعه مع الولايات المتحدة..!



رابعا: الشرعية القانونية والدولية التي اكتسبها النظام الجزائري في حربه على الإرهاب منذ 11 سبتمبر 2001 والتي كانت في مطلع التسعينيات غائبة ومفقودة، بل الدول الغربية وعلى رأسهم بريطانيا كانت تأوي أبرز المتشددين وممن ينظّرون للذبح والتكفير وسفك دماء الأبرياء في الجزائر.



فضلا من كل ذلك أن الاتهامات التي كانت تلاحق الجيش والمؤسسة العسكرية في إطار "من يقتل من؟" أفلست إفلاسا ذريعا لعدة أسباب وأهمها أنها كانت مجرد مناورة أجنبية مجافية للحقيقة للضغط على الجزائر لحسابات أخرى تتعلق بالاقتصاد كصفقات التسليح والنفط...إلخ. وحتى منها التاريخية التي تتعلق بفرنسا تحديدا ضمن المطالب المعروفة التي ترفعها الجزائر من أجل الاعتذار والتعويض عن الماضي الإستعماري. وأيضا حاول من خلالها الإنقاذيون تبييض وجه الحزب المحظور. أما الجماعات المسلحة التي وصلت لطريق مسدود بسبب الدموية التي لحقت الشعب والمدنيين، سعت للبقاء والاستمرار بتبرئة نفسها من جرائم يعرف الكل أنها هي التي اقترفتها مثل مجازر الرايس وبن طلحة وبني مسوس وغليزان وتبحيرين... إلخ، وبين هذا وذاك نجد أن أبرز من جعلوا كحصان طروادة من أجل الترويج لها، هم من الضباط السابقين وحتى المسبوقين قضائيا الذين لا يعتد بشهاداتهم لأنها جاءت في إطار رغبة الحصول على اللجوء السياسي، وكانت مجرد حبر على ورق، ولم يتم تقديم دليل واحد يثبت تلك الإدعاءات. ويكفي أنه رغم الدماء التي سالت ورغم ما قامت به المنظمات الحقوقية التي أدانت الجزائر بناء على تلك الشهادات المفبركة في أغلبها، لم يفلح أي طرف بفتح قضية لدى العدالة الدولية.



وهذا طبعا زاد في قوة الجانب الجزائري الذي كانت "غزوتي نيويورك وواشنطن" هي المفصل الذي به أحس العالم بخطر اكتوت به الجزائر على مدار عشرية كاملة ومن دون أدنى دعم حتى من الدول العربية نفسها، بل أن الدول الغربية تحولت إلى معابر للسلاح وجمع التبرعات والنشريات التحريضية. فما تسمى بالقاعدة جاءت في ظرف يتمتع فيه النظام الجزائري بشرعية دولية ودعم منقطع النظير، لاجتثاث هذه الجماعة التي كما قلنا بولغ في شأنها ولكن رغم كل ذلك قد تفجرت بعد نفخ تجاوز الحدود المنطقية.



فالجماعة السلفية أدرجتها أمريكا كمنظمة إرهابية وأدرجت أسماء تنشط تحت لوائها ضمن قائمة أممية، وروسيا بدورها عزمت على اعتبار "القاعدة" منظمة إرهابية وهو ما أعلنت عنه مارينا غريدنيفا الناطقة الرسمية باسم النيابة العامة الروسية في نوفمبر 2008 فضلا عن التوقيفات التي طالت ممّن كانوا يشكلون مدرسة دموية تدعم الإرهاب في الجزائر من الخارج.



خامسا: بلا شك أن استعمال وسائل الإعلام في الحرب على الجماعات المسلحة في الجزائر قد حقق مبتغاه كثيرا، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن الاعتداءات التي قامت بها هذه الجماعات ضد وسائل الإعلام والصحفيين خلال العشرية الدموية قد كانت الفتيل الذي زاد في حدّة الحرب الإعلامية. فقد حققت وبمختلف الوسائل بينها المشروع وحتى المشتبه فيه في كشف خفايا وأسرار كثيرة وصنعت حربا نفسيا كانت من بين الأسباب الرئيسية في انهيار المشروع المسلح في الجزائر. ولقد حدثني بعض الأمراء ممن كان لهم مركز القيادة أثناء التسعينيات أن من أبرز أخطائهم هو محاربتهم لوسائل الإعلام، حيث أكد لي "علالو. ح" الذي كان مشرفا على حيز كبير من النشاط الإلكتروني للجماعة السلفية وكان مقربا من حسان حطاب أن المقاتلين كانوا يلقنون نظرية مفادها أن أعداءهم هم ثلاث: السلطة بكل مؤسساتها والأحزاب بمختلف مواقعهم ووسائل الإعلام بكامل أنواعها وخطها التحريري، وهذا الذي ردده حتى قادة "الفيس" في تجمعات شعبية سنة 1990 ليضيف أن قيادة السلفية كانت دوما تطالبهم بالسعي لفتح خط إعلامي يبلّغ رؤيتهم وأنباءهم وإن لم يحدث ذلك سيعجل بنهايتهم.



أما شامة محمد المكنى بالقعقعاع محكوم عليه بالمؤبد وشارك في مجازر عديدة وهو الذي كان الذراع الأيمن لعنتر زوابري على مدار عشرية كاملة، فقد جزم لي أن الإعلام والصحف لعبت دورها في تفتيت بيت "الجيا" بل إلى إشعال حرب داخلية بين مختلف التيارات المسلحة. ليضيف عوار محمد والذي التحق بمعاقل "الجيا" وعمره 16 سنة بغابة الزاوش بأولاد يعيش وتحت إمارة عنتر زوابري وبعدها نشط مع كالي رشيد المكنى ابوتراب وشارك في مجازر مثل الشفة وحماليت ودوارين علي... إلخ، فقد أكد لي أنه كان ممنوعا عليهم الإطلاع على الصحف وعندما تصل الجريدة لمعاقلهم يطلع عليها أمير مكلف بذلك، حيث يحذف ما يمنع الإطلاع عليه كما يطمس الصور ولا يترك لهم سوى الكلمات المتقاطعة والسهمية وبعض أخبار الفساد والرشوة ومعاناة المواطنين والمظاهرات والإضرابات. ولو يجد أحدهم قصاصة جريدة حملتها الرياح إلى الشعاب وتجرأ على أخذها وقرائتها لأنه سيتعرض للتعزير والعقوبات.



وطبعا في ظل ترسانة رهيبة من الصحف والقنوات الفضائية لا تملك "القاعدة" إلا المنتديات ومواقع أنترنيت يتم تدميرها وقرصنتها في أغلب الأحيان. ففي حال الحرب بين جيشين متكافئين عسكريا ينتصر الأقوى إعلاميا، فكيف سيكون الحال في جماعات متناثرة هنا وهناك يجمعها شعار عبارة عن "ماركة" مسجلة، ولا يمكن أن يصلوا للرأي العام الجزائري أو الدولي إلا وفق ما تريده السلطة. فعامل الإعلام مهم وخطير وهو الذي ساعد في القضاء على الجماعات المسلحة وهو الذي يساعد اليوم في تفتيت ما تبقى من الخلايا ويعزلها عن العالم الخارجي، وهذا الذي سيقطع دابر الاستمرار مهما كانت هذه الجماعات قادرة على تعدي الحصار.



وإن كانت القاعدة لا تملك إلا هيئة إعلامية يتزعمها صلاح قاسمي الذي ليس له تجربه في علوم الإعلام، وحتى ما يسمى بمؤسسة الأندلس لا تخرج أبدا عن إطار تلك الهيئة التي أخفقت، والتسمية تدخل في إطار المسارعة نحو إبراز إنتمائها للقاعدة الأم التي تملك "سحاب" وتنتج من خلالها أفلامها وأشرطتها، كما يفعلون مع رقم 11 في عملياتهم الإنتحارية لما له من دلالات. وتشير مصادر أمنية أن هذه الهيئة تتكون من تقني في الإعلام الآلي يتقن فن التركيب صور الفيديو والفوتوشوب وعناصر أخرى في الخارج تتولى نشرها في المنتديات المحسوبة عليها.







3- أسباب دولية



توجد عدة أسباب دولية هي بدورها تساهم مساهمة فعالة في تسريع النهاية، ومن بينها نذكر على سبيل المثال لا الحصر وباختصار جد شديد:



أولا: الحرب الشاملة والعالمية على الإرهاب والتي انطلقت فعليا منذ 11 سبتمبر 2001، وإضافة إلى ما ذكرناه سابقا فقد شهدت تطورات هذه الحرب بعض التحول الذي طبع خطاب الإدارة الأمريكية نحو العالم الإسلامي منذ وصول أوباما إلى البيت الأبيض، وإن كان لحد اللحظة لم تتم إجراءات ملموسة إلا أن الأمور تتجه نحو تصورات أخرى تبتعد بعض الشيء عن خيارات المحافظين ونستبعد خضوعها لغير الحل الأمني من أجل اجتثاث ما تسميه بالإرهاب والذي يشمل حتى المقاومات المشروعة في العراق وفلسطين.



أدى هذا التنسيق والضغط الأمريكي إلى انحصار الظاهرة الاسلاموية في الغرب والتضييق على العمل الخيري والنشاط لبعض رؤوسه وخاصة في لندن، حيث جرى اعتقال أبرز المنظرين كأبي قتادة الذي هو من أفتى بجواز المجازر الجماعية في حق المدنيين الجزائريين وصار يعرف بمفتي "الجيا" وكذلك إبعاد أئمة عرف عنهم التحريض والخطابات التي تحرض على الكراهية والتعصب والتطرف.







كما نلمس التعاون الأمني الوثيق بين الدول في تحرك الأفراد والأموال والنشاط الجمعوي وخاصة في الساحل الإفريقي، حيث نذكر مثلا أن الرئيس المالي أمادو توري قد صرح بعد نهاية مؤتمر الاتحاد الإفريقي في سرت أن الجزائر ومالي وليبيا عازمة على توحيد جهودها العسكرية واللوجستية لاقتلاع جذور الإرهاب في المغرب وإرساء الأمن في منطقة الساحل.



هذا التعاون الاستخباري والأمني والقضائي أدى إلى تمتين عرى القوانين إلى حد العقوبات الدولية ضد من يشتبه فيهم دعم الجماعات بالإشادة والتجنيد والتبرع والتموين ولو كان على سبيل دفع فدية لتحرير رهائن، وآخر ما شرعته الأمم المتحدة في إطار ذلك نجد القرار 1904 الذي شرّع في 17ديسمبر 2009 والمتعلق بالتهديدات التي تستهدف السلم والأمن العالميين من طرف الأفعال الإرهابية، ويدين القرار دفع الفديات من أجل تحرير المختطفين والرهائن الذي صار الخيار المستعمل من قبل "القاعدة" في الساحل الإفريقي وحتى الصحراء الجزائرية من أجل كسب الأموال في ظل شحّ التبرعات التي كانت متوفرة خلال التسعينيات بكثافة رهيبة، ولا تزال أموال "الجيا" المقدرة بالملايير، اللغز الذي يثير الجدل الأمني ويخضع لتحقيقات سرية. والقرار المشار إليه جاء ذلك كتتويج للائحة 1373 الصادرة في 2001 والمتعلقة بتموين الإرهاب، وقبلها اللائحة 1267 الصادرة في 1999 والمتعلقة بتمويل نشاطات التنظيمات الإرهابية.


الحلقة الثامنة : مراجعات الجماعات المسلحة وسيناريوهات "اختفاء" بن لادن


ثانيا: رفض حركات المقاومة لأطروحات القاعدة التي صارت تعود بالوبال عليها بسبب تطرّف نشطائها، وتجلّى ذلك في العراق عندما صارت المقاومة تحارب القاعدة وأيضا ثبت في فلسطين حيث حاربت تشكيلات المقاومة كل ما يمكن أن يساعد في بروز هذا التنظيم وهو الذي أشرنا إليه سابقا.
ثالثا: ظهور مناطق نزاع أخرى في الأجندة الغربية وخروج الجزائر من دائرة الأطماع التي كانت سائدة من قبل، حيث صارت الآن تبرز اليمن من خلال الحراك الجنوبي وأيضا الحرب الأهلية مع الحوثيين، وأيضا اتجاه الغرب نحو إيران كخطر يهدد أمن الخليج. ونجد كذلك الاهتمام بحزب الله في لبنان كظاهرة أخرى تهدد أمن إسرائيل.
فالجزائر وإن كانت بوابة لإفريقيا ومركز الثقل الدولي إلا أنها لم تعد في أجندة الطمع التي كانت سائدة. وظهور بؤر الصراع الجديدة التي قد تصل إلى أمريكا اللاتينية أو في القوقاز والهند أفرخت أذرعا جديدة للقتال، مما أفقد "القاعدة" في المنطقة المغاربية الأسباب التي ظلت تراوغ بها أو تستعطف من خلالها لأجل الدعم والإسناد والتجنيد وتوفير أسباب البقاء والمناورة.

3- أسباب عامة
توجد إضافة إلى كل ما سبق، وكقاسم مشترك بين تلك الأسباب الداخلية والوطنية والدولية، يمكن أن نستنتج بعض العوامل الاستراتيجية العامة التي تكون قد عجلت بنهاية القاعدة التي لم تصل أصلا إلى مبتغاها، نذكر على سبيل المثال:
أولا: أن السلطات الجزائرية قامت بتجفيف منابع الإرهاب في السجون حيث اتخذت عدة إجراءات تمنع انتشار الأفكار الجهادية بين المساجين مثل عزل الغلاة المتطرفين وأيضا السماح للمساجين بالدراسة والتكوين والعلاج النفسي والاجتماعي. أما في الأحياء الشعبية فقد استطاعت السيطرة على المعلومات وشبكات التجنيد والتي قضت على أغلبها وأيضا مبادرات نحو القضاء على البيوت القصديرية والأحياء الفقيرة، بالرغم من النقائص، وكذلك لعب الآباء دورا بارزا في ذلك بحكم التجربة التي عانتها البلاد خلال السنوات الدموية التي مرت.
في المساجد التي سيطرت عليها وزارة الشؤون الدينية منعت الدروس والحلقات أو توزيع المنشورات والمجلات والكتب التحريضية على عكس ما كان يجري خلال الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي حيث كانت دور العبادة مراكزا للتكوين ونشوء الأحزاب والحركات المختلفة من المعتدلة إلى المتطرفة التي سيطرت منذ 1989 على أغلب دور العبادة وكان لها الدور السيّئ في إفساد المعتقدات وزرع العنف والظواهر الثورية الجهادية. بالنسبة للانترنيت، فقد أفلحت في مراقبتها عن طريق احتواء مقاهيها بالمراقبة الأمنية الصارمة، وأيضا في إطار التحالف الدولي ضد كل ما يشجع على الإرهاب تمّ تدمير الكثير من المواقع وحجبها والتي كانت وكرا للجماعات المسلحة التي من خلالها تزرع مقارباتها وسمومها بين ضعاف النفوس والمتحمّسين دينيا والناقمين اجتماعيا.
ثانيا: فقه المراجعات والفتاوى التي يطلقها علماء مشهود لهم بالكفاءة والعلم كان له وقع مزلزل على حصون هذه الجماعة وخاصة ـ كما ذكرنا ـ تورطها في مقتل المدنيين والعزل.
والمراجعات صارت تضرب السلفية الجهادية في الصميم، كتلك التي صدرت عن الشيخ سيد إمام الشريف "الدكتور فضل" أمير الجهاد السابق ومؤسس جماعة الجهاد المصرية، ويعتبر مفكر تنظيم "القاعدة" وأستاذ أيمن الظواهري، وذلك في كتابه الذي أثار النقاش الواسع "وثيقة ترشيد الجهاد في مصر والعالم"، الذي وصفه الظواهري بأنه كتب تحت رعاية السفارة والمخابرات الأمريكية. وسيد إمام هو صاحب كتاب له تأثيره في وسط "الجهاديين" وعنوانه "العمدة في إعداد العدة". وقد حصلت مراجعاته على موافقة المئات من أعضاء التنظيم وحتى أنصاره. ثم نشر أيضا كتابا آخرا تحت عنوان "مذكرة التعرية لكتاب التبرئة"، اتهم فيه تلميذه الظواهري بالكذب والبهتان والمغالطات الفقهية والتلبيس على الناس.
وتشير مصادرنا الخاصة أن مجموعة من قدماء الإسلاميين الجزائريين في السجن، هم الآن بصدد إطلاق مراجعات أخرى سيكون لها الأثر المدوي على تنظيم دروكدال الذي كان يراهن كثيرا على السجون والتي من خلالها تتم تعبئة محدودي التعليم بالسلفية الجهادية، وعلى رأس هؤلاء المساجين يوجد طلاب علم ممن درسوا الشريعة الإسلامية في الداخل والخارج (مثل معهد الآمنية في دمشق) وبينهم من يحمل شهادة الماجستير، ويؤكد لنا مصدرنا أن (شمامي. م) وهو إمام سابق ومتخرج من معهد الشريعة بالخروبة أبرز هؤلاء.
ثالثا: محاصرة المد السياسي والحركي لهذه التنظيمات من خلال المحاربة الشاملة للإرهاب وجذوره ومخلفاته وأبجدياته وإفلاس سلفيته وانحسار دوائره إعلاميا وشعبيا وسياسيا.
رابعا: ظهور مخاطر دولية أخرى أكثر من الإرهاب مثل المناخ والاحتباس الحراري والأوبئة الفتاكة "انفلونزا الطيور والخنازير" والزلازل والتسونامي، وهذه المخاطر الدولية التي صارت تهدد وجود الإنسان جعلت مسألة أمن العالم أكبر من الجماعات المتطرفة التي تهدده، لذلك مع مرور الأيام سينحصر نشاطهم في دائرة إجرامية عادية مما يفقدهم الزخم الإعلامي الذي ظلت تراهن عليه القاعدة في كل نشاطاتها عبر العالم.
خامسا: الأزمات الاقتصادية المتوالية التي حلت على العالم بسبب الحروب والصراعات، وأيضا التحرك الدولي نحو عالم ما بعد النفط.

سيناريوهات نهاية بن لادن...
بلا شك، أن مؤسس القاعدة والرجل الأول فيها أسامة بن لادن، لم يكن في قوته السابقة ولا له الحرية في التحرك والاتصال سوى بالمقربين منه جدا جدا ومن الدرجة الأولى. وقد صرح مايكل هايدن، مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في 14 / 11 / 2008، أن زعيم القاعدة صار منشغلا فقط بتأمين حياته.
يجب التأكيد على أمر هام أن نهاية أسامة بن لادن وبأي طريقة كانت، لا تعني مطلقا نهاية تنظيمه آليا، ويكفي ظهور قيادات أخرى صار لها الحضور الإعلامي المكثف سواء أيمن الظواهري أو أبو يحيى الليبي... الخ، وإن كانت الصورة التي سيتم تغييبه بها هي التي ستؤثر على مجريات الأحداث، فالتوصل لقتله يعني وجود ثغرات في بنيان التنظيم الأمني والاستخباري، أما قتله فبقدر ما سيزيد من عزيمة أنصاره لأنهم سيقلّدونه الشهادة المطلقة بقدر ما يجعل التنظيم في حال تفكك وخاصة أننا نعرف جيدا عقلية المشيخة والمريدين لدى الحركات الإسلامية والتي غالبا ما تتفكك بمجرد رحيل المؤسس والأب الروحي. حتى وإن صمدت حركة الإخوان بمصر لفترات وتجاوزت حالات عصيبة والسبب في تحويل المشيخة من جيل لآخر، إلا أن ذلك لن يحميها مطلقا من الزوال الذي بدت تظهر بوادره بصراع ما بين المحافظين والإصلاحيين.
الدكتور فيصل ديفجي، وهو باحث أكاديمي من أصل باكستاني ومحاضر في جامعة "نيو سكول" بنيويورك، في مداخلة ألقاها بمعهد "تشاتهام هاوس" بلندن في نوفمبر 2008، قال بخصوص هذا الموضوع:
القبض على أسامة بن لادن أو الظواهري أو قتلهما لن يبدل الأمور كثيرا، مع أنه قد يخلف ضجة إعلامية كبيرة)، ثم يضيف: (تحولت قيادة القاعدة إلى رمز، وبن لادن ليس رئيس جمهورية أو ملكا لكي يؤدي القبض عليه أو قتله إلى انهيار الجمهورية أو المملكة التي يقودها ومؤسساتها، إنه رمز تبعته منظمات مسلحة ومدرّبة في العالم الإسلامي، وخصوصا في باكستان وأفغانستان، وهذه المجموعات ستستمر بالقيام بعملياتها الميدانية حتى بعد غيابه). وهذه بعض السيناريوهات المطروحة حول نهاية بن لادن التي ستأتي بلا شك مهما طال عمره.

1- القبض عليه حيًّا
يطرح احتمال القبض عليه حيّا منذ سنوات، سواء من قبل الإدارة الأمريكية أو حتى من المتابعين لشأن الجماعات الإسلامية، والرهان كبير على رأس أسامة بن لادن لدى أمريكا وحلفائها في إطار الحرب على ما تسميه بالإرهاب. نذكر في هذا الإطار، قائد القوات الدولية في أفغانستان الجنرال الأمريكي ستانلي ماكريستال تحدث في 08 / 12 / 2009 خلال جلسة استماع في الكونغرس أنه لن يكون من الممكن هزم القاعدة ما لم يتم القبض على زعيمها أسامة بن لادن أو قتله. في حين اعتبر السفير الأمريكي في كابول كارل ايكنبيري خلال الجلسة ذاتها، أن القبض على بن لادن أو قتله "يبقى مهمّا بالنسبة للشعب الأميركي بل لشعوب العالم بأسره".
ولكن على مستوى الواقع يعتبر من الصعب للغاية القبض على بن لادن حيّا فهو يرى نفسه رمزا لما يسميه الجهاد العالمي، ولا يمكن أن يقبل توقيفه ومحاكمته والإساءة إليه على غرار ما جرى للشيخ محمد مهندس أحداث 11 سبتمبر في غوانتانامو أو رمزي بن شيبة أو غيرهما. تقول بعض المصادر، إن أسامة بن لادن مجهز بحزام ناسف قد يستعمله في آخر لحظة إن تأكد من أمر توقيفه، أما آخرون فيقولون إن الرجل متحصّن في منطقة جبلية وعرة بوزيرستان ولا يمكن الوصول إليه إلا بتدميرها بالمقنبلات والصواريخ التي لا يمكن أن تترك أحدا على قيد الحياة. فلو كان أسامة بن لادن يتحرك في المدن وتحت أسماء مستعارة ووهمية فهذا يجعل احتمال توقيفه واردا ولكن الرجل لا يغادر مغارات وأدغال أفغانستان، إلاّ إلى أدغال أخرى بباكستان لا تقل عنها تعقيدا وصعوبة. في اعتقادي أن أمر توقيفه وهو على قيد الحياة مستبعد نهائيا وحتى على مستوى الإدارة الأمريكية وبعض الأقطار العربية لا ترى طيبا في توقيف الرجل الحامل لكثير من الأسرار والخفايا التي قد يكون لها التأثير البالغ على بعض الحكام.
نذكر فرصة أفلتت من أيدي الأمريكان للقبض عليه في ديسمبر 2001 بجبال تورابورا بسبب القرار العسكري بعدم ملاحقته حسب تقرير أعدّ للجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ في نوفمبر 2009، ويتهم رامسفيلد وزير الدفاع حينها بالتورط في إفشال العملية التي بسببها غيّر مسار الحرب في أفغانستان والإرهاب الدولي على حد ما ورد في التقرير.
وقد سبق وبعد 18 يوما (26 أكتوبر 2001) من بداية العمليات العسكرية في أفغانستان، أن صرح رامسفيلد لصحيفة "الشرق الأوسط" أن الولايات المتحدة قد لا تتمكّن على الإطلاق من إلقاء القبض على أسامة بن لادن، لأنه من الصعب جدا تحقيق ذلك على حد تعبيره. ويستبعد الأمريكيون أنفسهم القبض على بن لادن حيّا، حتى وإن كان بعضهم يضع ما جرى للرئيس العراقي صدام حسين نصب العينين، إلا أن المحيطين ببن لادن حيث هو في وزيرستان أو أفغانستان تختلف طينتهم وتكوينهم العقدي عن أولئك الذين كانوا يحيطون بصدام والذين تربّى بعضهم على الانتهازية والمنفعة والابتزاز والوشاية للأقوى، ولا يرون في صدام حسين غير رئيس انتهت أيامه، أما الآخرون فيرون في بن لادن الأب الروحي والمقدس عندهم بأمر من الله!!
ففرضية الاختراق عن طريق الجوسسة ومراقبة الأنترنيت وكل وسائل الاتصال استُعملت وأستُنفدَت، حسب ما يصرح به المتخصصون الأمريكيون، ولم يبق أمامهم الآن إلا تبرير عدم وصولهم لرأس المطلوب رقم واحد عالميا.

2- القتل أو الموت قدرا
من بين الاحتمالات الكبيرة والتي تدندن حولها الإدارة الأمريكية هو القضاء على أسامة بن لادن وقتله. وتردد كثيرا أنه أفلت من محاولة قوية في قصف بجبال تورابورا سنة 2001. ويوجد من يحتمل أن الرجل قد قتل أثناء القصف الأمريكي وهذا الذي يذهب له البعض مثل أيمن الفايد، المستشار الإعلامي السابق والمؤرخ السياسي لـ"القاعدة"، وأن الأشرطة التي تعرض بصوته تتم فبركتها وتركيبها. غير أننا نرى هذا الأمر مجرد احتمال يخرج به صاحبه على المألوف فكل الشواهد تؤكد أن الرجل لايزال حيّا يرزق، وبالرغم من محاولات القصف التي استهدفت مواقع تشتبه الولايات المتحدة في تواجده أو تواجد نائبه أيمن الظواهري أو حتى قادة آخرين بارزين، ولكنها ظلت تبوء بالفشل الذريع مما طرح الكثير من الأسئلة حول جدية الإدارة الأمريكية في القضاء على القاعدة، والتي صارت البعبع الذي به ترسم خارطة العالم وتفرض قانونها الدولي على الجميع.
آخرون يحتملون الوفاة الطبيعية بسبب المرض أو غيره، نذكر باسكال بونيفاس الذي قال في مقال له: "في الثالث والعشرين من سبتمبر الجاري أشارت صحيفة "ليست ريبيبليكان" المحلية الفرنسية، إلى احتمال وفاة زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن في مكان ما بالجبال ما بين أفغانستان وباكستان جراء إصابته بحمّى التيفوئيد. وكانت الصحيفة استندت في تقديم هذه المعلومة المثيرة إلى وثيقة استخبارية بتاريخ الحادي والعشرين من سبتمبر صادرة عن الاستخبارات الفرنسية التابعة للإدارة العامة للأمن الخارجي. الوثيقة أشارت إلى أن مصادر أمنية أوضحت أن العزلة الجغرافية لابن لادن بسبب فراره المستمر حالت دون تلقيه أيّة مساعدة طبية لازمة، في الوقت المناسب. وقد أكد الرئيس الفرنسي، جاك شيراك، وجود هذه الوثيقة، ولم ينفها، غير أنه لم يؤكد خبر الوفاة تحديداً. ونتيجة لذلك، مازالت علامات الاستفهام قائمة حول مآل العدو العمومي والمطلوب العالمي "رقم واحد"، وذلك بعد أكثر من خمس سنوات على هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي استهدفت مركز التجارة العالمي والبنتاغون". ومن جهة أخرى نشير إلى أن عضو الكونغرس الأمريكي، كورت ويلدن، أعلن في مارس 2006 أن بن لادن توفي في إيران، لكن بعد ذلك ظهر شريط صوتي جديد له يتحدث عن أوضاع الشرق الأوسط.
في حين جاء إعلان السعودية في 24 - 9 - 2006 أنه "لا يوجد لديها دليل على وفاة أسامة بن لادن، مثيرة بذلك شكوكا كبيرة في وثيقة سرية تسربت في فرنسا وقالت إن المخابرات السعودية تعتقد أنه توفي الشهر الماضي" ـ كما ذكرت وكالة رويترز للأنباء.


3- الاغتيال بسبب الخلافات الداخلية أو الاختراق
في الحقيقة أن أغلب المتابعين لشأن القاعدة والحركات الإسلامية يرون أن هذا الأمر مستبعد، حتى وإن شذّ البعض عن ذلك ولكن بصفة محدودة جدا، وهو الذي أشرنا إليه من قبل حول الوشاية التي يمكن أن تحدث على طريقة القبض على صدام حسين أو مقتل الزرقاوي، فضلا أن يقدم أحدهم على تصفية بن لادن ولا يوجد قريبون منه إلا قلة يتمتعون بثقته ولهم الولاء المطلق له، فضلا عن أنهم يؤمنون بها إلى حد رؤية مفاتيح الجنّة بين يديه.
أما الخلافات الداخلية حتى وإن وصلت لجبهات القاعدة القتالية، إلا أن القيادة في منأى عنها لخصوصية موقعها وتمركزها والحراسة التي تتكفل بأمنها. فالسياج الأمني المحاط على بن لادن ورفاقه يصعب للغاية اختراقه أو التأثير على المحيطين به في هذه الفترة بالذات. وفي هذا السياق، تحدث المسؤول الأمني بالأمم المتحدة، ريتشارد باريت، قائلا: "إنهم حذرون للغاية من لقاء أي شخص لا يعرفونه... سيفعلون أي شيء تقريبا للتعامل مع الناس عن طريق وسيطين أو ثلاثة بدلا من التعامل المباشر"، ثم يضيف: "ويجعل هذا من الصعب جدا عليهم إيصال رسالة متماسكة وواضحة ويجعل من الصعب أيضا استخدام أي جاذبية يتمتعون بها في محاولة تجنيد أو إقناع أشخاص".

أكيد سعت الولايات المتحدة وحتى المخابرات العربية لزرع قدماء المقاتلين ممن كانوا من قبل ضمن العرب الأفغان أو بجامعة الدعوة والجهاد بباكستان، والذين تربطهم علاقات وثيقة بمن يعتقد أنهم من حاشية بن لادن أو الظواهري، ولكن ذلك ما عاد إلا بالفشل أو الوبال أو حتى تصفية هؤلاء العملاء. ويذكر لي أبوبكر الجزائري، وهو أفغاني سابق شارك في الحرب مع طالبان ضد الولايات المتحدة سنة 2001 وكان له الدور في إسقاط طائرات عمودية في معركة تورابورا، حسب ملف الاتهام لدى القضاء الجزائري، أنه جرت من قبل محاولات لاغتيال أسامة بن لادن عن طريق عملاء مجهزين بالأحزمة الناسفة ولكن ذلك يتفطن له وقد أقيم الحد من طرف طالبان على عدد ممن ثبتت إدانتهم بالتخطيط للتصفية.

ونذكر آخر ما حدث ويتعلق الأمر بالطبيب الأردني الأصل، همام خليل أبوملال البلوي، وكنيته "أبو دجانة الخراساني"، المشتبه فيه بالتورط في عملية انتحارية استهدفت الاستخبارات الأمريكية بخوست الأفغانية في 30 ديسمبر 2009 حسب الرواية المتداولة. وكانت تراه من أهم إنجازاتها كعميل في أفغانستان تريد منه الوصول إلى بن لادن والطبيب الظواهري الذي يسهر عليه فريق "اليك"، ولكن برغم التناقضات المختلفة حول القضية بين النفي والإثبات ـ برغم تبني القاعدة وظهور تسجيل مرئي ـ وزوجته دفني بيرق قالت إنه من المستحيل أن يكون زوجها هو المتورّط، إلا أنه في حال ثبوتها سواء قام بها البلوي أو غيره، تؤكد على مدى حرب الاستخبارات القائمة بين عدة أطراف بينها العربية من أجل الوصول لرؤوس التنظيم المرابطين في أدغالهم. وبلا شك ستفرض الحادثة تغييرا جذريا في العمل الاستخباري ويدفعهم إلى مراجعة وتنفيذ إصلاحات عميقة للعملاء المجنّدين أو الذين سيتم تجنيدهم مستقبلا.


الحلقة التاسعة: مشاهد متوقعة من نهاية "القاعدة" في الجزائر



بعد كل ما تقدم نرى من الضروري إعطاء بعض المشاهد المحتملة والمتوقعة لنهاية ما يسمى القاعدة في الجزائر، وطبعا النهاية الحتمية التي هي من مقتضيات صيرورة الحياة لا يعني مطلقا نهاية الفكر الجهادي أو قتال الإنسان لأخيه الإنسان، وبلا شك سيبدأ موعد آخر وفق طبعة قد تختلف في شكلها وزمنها لكن يبقى الإشكال واحدا وهو الدم.

المشهد الأول: النهاية الأمنية بسبب الإخفاق العسكري، فقد حاولت بحرب العصابات خلال تجربة الجماعة المسلحة "الجيا" وفشلت وانتهت من الوجود بتوقيف آخر أمرائها في 2004 وهو نورالدين بوضيافي المكنى "حكيم الأر بي جي"، بعدها جاءت العمليات الانتحارية على يد بقايا "الجيا" في الجماعة السلفية ولم تحقق لهم سوى الدعاية الإعلامية التي تنتهي ولا تعود عليهم بالفائدة المرجوة وهي دائما توريط الجزائر دوليا، وما يحدث هو خسائر لعناصر مهمة من تنظيمهم سواء المنتحرين أو أثناء رد الفعل والتمشيط المضاد الذي غالبا ما يحقق إصابات.
فالعملية الانتحارية يراد منها تحقيق أكبر الأضرار وأكثر الصدى من دون جهد عسكري كبير، فالأمر لا يكلفهم سوى بعض المتفجرات ومركبات أو حزام وشخص مهلوس بأفكارهم. أما المواجهة العسكرية المباشرة في الجبال فقد صارت متعذرة نظرا لنقص العتاد والإمكانيات وأيضا الجيش يستعمل أسلحة ثقيلة وذكية تدمر حتى المخابئ المحصنة تحت الأرض وفي الكهوف، ولهذا صاروا يقتصرون على عمليات مباغتة وغدر تستهدف مراكز حراسة متواضعة أو كمائن تترصد لسيارات شرطة ودرك وحرس بلدي أو قنابل تزرع في الطرقات. وهذا لا يعني مطلقا القوة التي يتمتعون بها بقدر ما يؤكد على التضعضع والإمكانيات المحدودة التي تفرض عليهم البحث عن الترويج للترويع واستعراض القوة من خلال أشرطة تبث بعد تمحيص واسع وحيل إلكترونية. والتي يراد دوما وصولها في أفضل شكل للقيادة في أدغال باكستان وأفغانستان لأن وسائل التوصيل التقليدية صارت شبه مستحيلة.
فلغة المواجهة المباشرة مع القوات الرسمية ستعجل بلا شك نهاية هذا التنظيم أمنيا، وهو الذي صار يحدث خلال هذه الفترة الأخيرة حيث تم القضاء في 2009 على أكثر من 300 عنصرا بينهم 12 أميرا من أخطر عناصر التنظيم، وفي شهر واحد تم القضاء على 4 أمراء (حسين هجرس أمير سرية زموري، بلال النذير أبوعدلان من إمارة الغرب، نوح ابوقتادة السلفي مسؤول التنسيق للتنظيم...). ونذكر أيضا على سبيل المثال في فيفري 2009 تمّ القضاء على بلعيدي أحمد المكنى سليمان وهو من مواليد 28 / 07 / 1956 والتحق بـ "الجيا" في 1993 ويعتبر قائد أركان درودكال وأمير اللجنة الطبية. أيضا القضاء على سفيان فصيلة المكنى سفيان ابو حيدرة أمير المنطقة الثانية، وعبد الحميد أبو تراب أمير كتيبة الفاروق، ورابح. ش المكنى أسامة أبو إسحاق والمتخصص في تفخيخ السيارات، رومان قدور المدعو أبو البراء أمير سرية بني عمران... الخ. وتم توقيف حوالي 400 عنصرا بينهم 72 مسلحا والبقية من جماعات الدعم والإسناد التي تعتبر صمام الاستمرار والبقاء لوقت أطول.
المشهد الثاني: الاستسلام للعجز أو التوبة للفتوى أو المراجعات أو القنوط من طريق صار مسدودا، حتى أنني سمعت من بعض المساجين كانوا قياديين في الجماعات المسلحة يرددون النقمة وعبارات الكفر بكل من كان سببا في اختيارهم لذلك الطريق الذي أفقدهم أسرهم وضيع مستقبلهم. وفي سياق هذا الحديث يوجد أمراء سلموا أنفسهم وعلى رأسهم حسان حطاب الذي صار من العرابين للمصالحة، وقد انضم لهم أيضا عمار صايفي المكنى عبد الرزاق "البارا" وآخرون، كما يجري الحديث عن مراجعات تعكف عليها مجموعة من المساجين القدماء ممن يشهد لهم بالعلم والفقه. وتشير مصادر أمنية إلى أن الذين سلموا أنفسهم خلال 2009 فقط قد تجاوز عددهم 30 عنصرا من بينهم 3 قياديين بارزين.
تفيد معلومات تحصلنا عليها أن أكبر خطر يحدق بـ "الجماعة السلفية" وصار يشكل هاجسا لدرودكال وحاشيته القيادية هو اليأس الذي صار يسري بين الجند بسبب أنه لم يتحقق أي شيء على مدار ما يقارب العشرين عاما من القتال سواء من طرف قدماء المقاتلين أو حتى الجدد منهم، بل منهجهم الدموي زاد في قوة النظام وكفر الشعب بهم وبأطروحاتهم. ولم يجد درودكال من حلّ لمواجهة هذا التذمر واليأس سوى الدروس الروحية والترغيب بحور العين وكرامات الشهداء ومنازلهم والترهيب من الردة والتخلي يوم الزحف. حتى أن معلومات أخرى تفيد أنه يدفع أحيانا إلى التخلص من العناصر التي يرى اليأس قد سيطر عليهم إما بالعمليات الانتحارية أو بدفعهم إلى المغامرة في مواجهات قاتلة أو حتى التخلص منهم باغتيال مدبر بطريقة لا تثير الشبهات.
المشهد الثالث: المواجهة الداخلية بسبب الغنائم والريع أو خلافات دينية جوهرية ومذهبية طالما لم تغب من إشعال فتيل الموت بينهم، وسبق أن نفى التنظيم في بيان له وجود خلافات وصفها بالأراجيف التي تثبط العزائم، والرد في حد ذاته وإن كان بالإنكار يفيد وجود خلافات لأنه ليس من عادة التنظيمات المسلحة أن ترد على ما يروج له إعلاميا إلا في حال تأثيره البالغ على عناصرها. وأيضا حدثت مواجهات داخلية أسفرت عن سقوط قتلى بسبب المصالحة الوطنية. أيضا جرت تصفيات أقدم عليها درودكال إما بشبهات تلحق بعض العناصر وتتمثل في التعاون مع المخابرات أو ممن يعتقد أنهم سيفرّون للاستفادة من العفو أو اليائسين كما ذكرنا.
المشهد الرابع: النهاية بسبب الأمراض والأوبئة الفتاكة التي أصابتهم من قلة التغذية وانتشار الأوساخ والقمل والأكل غير الصالح والمنتهي الصلاحية وأحيانا يصل الأمر بهم إلى أكل أعشاب مضرة أو حتى المخلفات الآدمية والحيوانية، أو الانقراض بسبب قلة التجنيد وقطار العمر الذي يجري بهم. وقد تناقلت الصحف في فيفري 2009 أنباء عن مقتل أكثر من 40 عنصرا بسبب انتشار الطاعون، فضلا عن انتشار الجنون والانفصام والجرب والسل وداء السكري والتسوّس وضغط الدم وأمراض القلب والإعاقات بسبب الجروح التي يتعرضون لها ولا يتم علاجها بصفة سليمة، حيث تشير معلومات متوفرة لدينا إلى أنه من بين 5 أفراد يوجد عنصر على الأقل تعرض لإصابة بليغة. أميرهم عبد المالك درودكال نفسه مصاب بشظايا في بطنه وفخذيه ويعاني من عجز كلوي ويقضي جل وقته في أحضان زوجتيه بمغارة أعدت له خصيصا حسب معلومات حصرية.
حتى الشريط الأخير (ديسمبر 2009) الذي حمل عنوان كتاب لأمير الأفغان العرب عبد الله عزام "التحق بالقافلة" اظهر معدّوه مشاهد وصورا لجيل جديد حيث تعمد تركيز الكاميرا على وجوه مراهقين ممن قدموا على أنهم في دفعة تكوين، أريد منها الإغراء لأجل التجنيد وأيضا هي رسالة تدخل في إطار الحرب النفسية ومسابقة الزمن على النهاية التي صاروا يدركونها، بل هي الشجرة التي تغطي غابة العجز الذي صار يصيبهم في مقتل، وهو ما اعترف به المكنى أبو محمد العثماني من الجزائر في مارس 2008، حيث أكد على أنهم عاجزون ماديا وبشريا والمواطنون ينفرون منهم لأنهم يعدونهم من الخوارج، وتشير بعض المعلومات الأمنية إلى أن درودكال أمر بجمع كل الشبان المتناثرين هنا وهناك والذين لا يتعدى عددهم 20 فردا، من أجل تصوير ذلك الشريط وإظهارهم على أساس أنهم مجندون جدد في مرحلة تدريب على طريقة الكليات الحربية، ومن أجل التمويه المغرض والتلبيس المضلل أطلق عليهم "دفعة أبو حيدرة" مما يوحي للمتابع أنه قد سبقتها دفعات وتليها أخر..!!
وتجدر الإشارة إلى أن قضية المراهقين بالتنظيم قد سبق إظهارها من خلال أطفال ولدوا في الجبال يرددون كلاما لا يفقهون حتى معانيه، ولو أمعنا النظر في المعلومات المتوفرة لدينا والتي جمعناها لأدركنا أن الأمر محدود للغاية.
في سياق الحديث عن إظهار المراهقين والتشهير وبينهم غير المعروفين لدى مصالح الأمن، هذا الموضوع الذي يراهن عليه التنظيم كثيرا من أجل الاستمرار بعض الوقت والتلبيس على الرأي العام. فقد سبق أن أظهروا عبد القهار بن حاج "نجل الشيخ علي بن حاج" الذي هو من مواليد سبتمبر 1988، الذي يرشح أن يكون أبرز الأمراء في المنطقة، عكس ما يحاول الترويج له على أنه أحد الانتحاريين المفترضين مستقبلا. وكذلك تم إظهار آخرين معه مثلا وازة محمد "ابو الوليد العاصمي"، الذي تم القضاء عليه في كمين ببلدية واضية (تيزي وزو) في ديسمبر 2007، وكذلك الانتحاري حفيظ محمد "صهيب أبو مليح".
هذا فضلا من العمليات التي يتم إبرازها والتركيز على بعض منفذيها، نذكر تفجير 09 سبتمبر 2007 الذي هاجم فيه الانتحاري نبيل بلقاسمي "ابو مصعب الزرقاوي العاصمي" الذي لم يتجاوز عمره 16 عاما ثكنة دلس بسيارة مفخخة خلفت قتلى وجرحى.
/ 03 / 1984 بحسين داي، حديد عبد الرحمان من مواليد 09 / 08 / 1983 بالبويرة، يوسف بغدادي من مواليد 07 / 12 / 1982 بغليزان، شعلال سفيان المدعو صخر من مواليد 19 / 07 / 1981، روغيق عبدالقادر من مواليد 24/ 01 / 1982. وللإشارة فقط أن هذا القائمة كان من ضمنها الإنتحاري صخاري مخلوف الذي فجر مركز الإستعلامات بتيزي وزو في 3 أوت 2008. وأيضا نشرت قائمة للعناصر الخطيرة في نهاية ديسمبر 2009 ونجد فيها كريم حرفيش المكنى ابومعاذ وهو من مواليد 1992 بباش جراح، وسمير منصوري من مواليد 1990 بالمنطقة نفسها، وآيت سعيد مزيان المدعو وليد من مواليد 10 / 03 / 1983 بحسين داي، خوخي محمد المدعو سفيان من مواليد 16 / 03 / 1981 بسيدي موسى، لقاط عيسى (22 / 04 / 1983) ببوروبة...
ونذكر أيضا أمير المال للتنظيم واسمه عبد العزيز يوسف كنيته "أبو خيثمة" هو من مواليد 1983، وقد التحق بالعمل المسلح عام 1997 وعمره لم يتجاوز 14 عاما، وقد قضت عليه قوات الأمن في كمين بالقرب من قرية آيت خلفون "تيزي وزو" في منتصف ليلة 08 / 08 / 2008. ونسجل أيضا محمد محجوبي من مواليد 1984 بزمورة "غليزان" وتم القضاء عليه في وهران وهو مشحون بـ 8 كغ من المتفجرات في مارس 2008...
أيضا هناك أمثلة نأخذها من القضايا المطروحة على المحاكم، فنذكر مثلا المتهمون في ما يعرف بقضية نجل علي بن حاج، وهما بوعرورة عادل من مواليد 1983 بحي البدر "العاصمة"، وبهلولي فاتح من مواليد 1981 ببومرداس، هناك قضية أخرى نظر فيها أيضا مجلس قضاء الجزائر العاصمة في 05 / 03 / 2008 ومن بين المتهمين فيها والمتابعين بجناية الانتماء لجماعة إرهابية، نجد ح. محمد من مواليد 1980، وأيضا د. نسيم من مواليد 1987. كما نضيف ما يتعلق بأمير كتيبة الفتح ب. وليد وهو من مواليد 02 / 04 / 1984 بثنية العابد وكنيته يوسف أبو الوليد، والذي حكم عليه بالإعدام غيابيا برفقة شقيقه عبد العزيز من مواليد 14 / 04 / 1975. أيضا في نوفمبر 2007 تم الحكم على دنداني رضا وعمره 23 عاما بـ 08 سنوات سجنا نافذا بتهمة تمويل الجماعات المقاتلة بالشيشان والعراق، ومن طرف محكمة الجنايات في العاصمة الجزائرية.
تواتي مجيد (24 عاما) وكنيته "ابو المثنى" أصله من ولاية تيارت ويسكن ببئر خادم "العاصمة"، قبض عليه في 06 أفريل 2006 بباش جراح مع تونسي اسمه عبد الرحمان، وتم العثور على أسلحة حربية وقنابل يدوية كانت بحوزتهما، توبع بتهمة تجنيد أبو المقداد الوهراني، الذي نفذ عملية انتحارية بولاية باتنة في 05 سبتمبر 2007. وهذا أغلب ما يمكن اعتباره من الجيل الذي لا علاقة له بالحزب المحظور والذي وصلنا إلى أسمائهم، لتؤكد أن قضية انعدام التجنيد هي أخطر ما يهدد فعليا ما يسمى تنظيم القاعدة.
المشهد الخامس: النهاية بالنزوح الكلي للساحل الإفريقي بحثا عن الفدية وهروبا من الضربات الأمنية الموجعة والحصار أو الفرار نحو بؤر صراع أخرى جديدة تكون أكثر إثارة في المشهد الدولي.

ولقد راهنت القاعدة على المتمردين التوراق وأخفقت، بل قوبلوا بثورة ضدهم بسبب الاختلاف في المصالح والضغوطات الجزائرية والأجنبية. ثم راهنت أيضا على ما كان يسمى بحركة أبناء الصحراء، وهي المجموعة المسلحة التي سبق وتبنت تفجير مطار جانت في نوفمبر 2007، ولكنها سلمت نفسها في 20 / 03 / 2008.
الهروب للساحل قوبل بعوائق كبيرة نذكر منها القوانين الدولية الجديدة المجرمة للفدية التي هي غرضهم الأساسي من خلال الخطف، وإن كان يغلف أحيانا بمطلب الإفراج عن مساجين ممن يسمونهم أسرى أو شيء من هذا القبيل الذي يحدث من أجل المناورة والدعاية فقط، حتى وإن جرت محاولات إعطاء العالمية له من خلال المطالب التي تقدم مثل ما جرى مؤخرا مع خطف الإيطاليين سيرجيو شيكالا وزوجته فيولوميني كابوري حيث ربط درودكال وصلاح ڤاسمي سلامة الرهينتين مع سلامة أتباع التنظيم في العراق وأفغانستان.
ونجد أيضا مبادرة الساحل الإفريقي التي رعتها الولايات المتحدة ثم تطورت إلى شراكة لمكافحة الإرهاب وجمعت كل من السنغال ونيجيريا والجزائر وتونس والمغرب ورفضت ليبيا الانضمام. والتي بلا شك زادت في تدعيم تقليم أظافر التنظيم الذي حاول أن يجد لنفسه مكانا في الصحراء.
البعض يرى أن تواجد القاعدة في الساحل الإفريقي هو توسع مثل الخبيرة في مؤسسة تيروريسك الاستشارية في باريس آن جيدي سيلي، وهذا خطأ لأنه هو هروب في إطار البحث عن أسباب البقاء والعيش التي تتوفر عليها هذه المنطقة نظرا لشساعتها ووجود التمرد والتهريب. آخرون مثل ليس باغرا نائب رئيس المركز الإفريقي للدراسات والبحوث حول الإرهاب، يرى أنه لا يوجد تنظيم القاعدة بالجزائر بل يوجد تنظيم جديد غير معلن وهو "القاعدة في الساحل الإسلامي" وهو بدوره يبتعد عن الواقع كثيرا. لأنه من جهة لم يتم الإعلان عن هذا التنظيم من طرف القاعدة الأم كما هو المعتاد، حيث دأب قادتها على الظهور الإعلامي بالأشرطة المسجلة وفي كل حالة يفجرون أخبارا وإشكاليات مثيرة وجديدة، كما أنه من جهة ثانية لا توجد تنظيمات أخرى مسلحة في دول الساحل دخلت تحت قيادة دردكال سواء بالتحالف أو البيعة، بل حتى الموالين للقيادة المتمركزة في الوسط الجزائري يعيشون في تناحر بينهم.
المشهد السادس: حلّ التنظيم من طرف أسامة بن لادن الذي تشير معلومات قوية إلى أنه في صراع مع حاشيته حول القضية، ويكفي برغم ما حدث أنه لم يرسل مندوبين عنه إلى معاقل درودكال، وهي عادته كلما يدبّ الشقاق أو تظهر فتنة في أوساط الجماعات المحسوبة عليه. أو قد تأتي المبادرة بالحل من طرف أيمن الظواهري حتى ولو كان مستبعدا بعض الشيء لأنه يرى في التنظيم شريان حياة للبقاء في الواجهة الإعلامية، إلا في حال رضوخه للضغط من طرف بن لادن وبعض حاشيته..
وإن وقع الحلّ الذي سيكون سابقة في تاريخ القاعدة وله سلبيات كبيرة على ما تبقى من مصداقيتها، ستتأكد عودته لنشاطاته الأولى كجماعة محلية وخاصة أن مصادر مختلفة أكدت غضب بن لادن من استهداف المدنيين في تفجيرات انتحارية وهو الذي أعاد دموية "الجيا" للواجهة، وكما هو معروف أن "الجماعة الإسلامية المسلحة" كانت قد رفضت في التسعينيات مطلب تنقل أسامة بن لادن إلى معاقلها للإقامة بعد مغادرته السودان، وهذا الذي حزّ في نفس قيادة القاعدة لذلك لم تنقذها من الزوال ولو بعبارات التزكية المعتادة. فدرودكال برغم الظهور بمن يحاول التخلص من فكر الخوارج إلا أنه لم يستطع ذلك، فقد عاش في أحضان "الجيا" تربى ورضع أفكارها حتى النخاع، فضلا من أن محيطه وبطانته أغلبهم ممن تخرجوا من تلك المدرسة التكفيرية بامتياز.
أيضا من الأمور التي تحسب عليه لدى بن لادن هو الكذب الذي تورط فيها تنظيم درودكال كثيرا، مثل زعمه مقتل كنديين في تفجير أوت 2008 الذي استهدف شركة كندية بالبويرة، في حين الواقع أثبت عكس ذلك تماما وهو سقوط مدنيين جزائريين. كما أطلق تهديدات ضد عميد شرطة في 2008 على خلفية صور أظهرت سيدة تدعى أم بلال وهي تتعرض للاعتداء أمام سجن مغربي، ودعا درودكال المسلحين في المغرب إلى الانتقام وهو الذي لم يحدث إطلاقا. أيضا أنه زمجر كثيرا وعجز في تحقيق أي شيء مثل وعيده للكوميدي عادل إمام في جانفي 2009، وأخرى للصين بعد أحداث قمع المسلمين الإيغور في إقليم شينجيانغ، وذلك لما أطلق تنظيمه تهديدات في جوان 2009 ضد الصينيين في الجزائر وأيضا أطلق تحذيرات بدت لاحقا جوفاء أثناء الانتخابات الرئاسية الجزائرية التي جرت في أفريل 2009. كذلك عجز في استهداف فرنسا برغم البيانات النارية التي أطلقها التنظيم المحلي وحتى العالمي على لسان الظواهري في أوت 2009 وكانت عبارة عن إشارة لدرودكال حتى يستهدف فرنسا، وبعد ثلاثة أيام أحبط هجوم انتحاري على السفارة الفرنسية في نواكشوط، وهذا الذي أغضب قيادة التنظيم الأم التي ما فتئت تعطي إشارات من خلال الخطابات التي تنشر عبر الإنترنت أو بعض الفضائيات العالمية.
مما يعرف في هذا الإطار والذي أدى إلى احتمال صدور قرار من طرف بن لادن ضد درودكال إما بالعزل أو التصفية أو حلّ التنظيم، هو تحالفه مع بارونات المخدرات ومرتزقة ولصوص في الصحراء ودول الساحل الذين يختطفون الأجانب ويبيعونهم لهم. وهو على غرار ما قام به تنظيم القاعدة في العراق الذي وصل به الحال إلى استعمال المومسات والعاهرات كما أشرنا.
والملاحظ أيضا هو فشل التنظيم في تجنيد مقاتلين للعراق أو حتى في الجزائر حيث تم تفكيك الكثير من شبكات التجنيد والدعم، وأيضا إخفاقه في اختراق أوروبا وخاصة فرنسا وإسبانيا حيث يتم تفكيك كثير من الشبكات، كما فشل في ضرب المصالح الأمريكية والبريطانية في المنطقة المغاربية. وركن للعجز في مواصلة ضرب بعض المصالح الغربية منذ الإعتداء على مفوضية الأمم المتحدة ومقتل فرنسي في تفجيرات الأخضرية في جوان 2008 ثم كمين بوشاوي على عمال شركة أمريكية في10 / 12 / 2006، ومنذ ذلك الحين لم تسجل القاعدة أي عملية يمكن أن تضاف لرصيدها العالمي المزعوم.
المشهد السابع: إعتماد الجماعة الليبية المقاتلة التي انتمت للقاعدة كبديل لدرودكال وجماعاته أو إنشاء تحالف آخر مع الجماعة المغربية المقاتلة أو ربما حتى التونسية برغم محدودية الإمكانيات والعدة والعدد. وهذا المشهد الذي بدأ يتردد أحيانا في منتديات يرتادها الجهاديون والتكفيريون وحتى المعتدلون منهم ممن يرون أن درودكال بماضيه الدموي وبممارساته التي صارت لا تختلف عن عنتر زوابري الذي كان جنديا في تنظيمه البائد. قد أضرّ كثيرا بالقاعدة الأم من خلال سلوك لا يتماشى وأطروحات أسامة بن لادن وحتى الظواهري في طبعته الأولى قبل أن يصبح من المبررين لإبادة المدنيين المسلمين العزّل.
المشهد الثامن: تحوله إلى عصابات تمارس السطو والنهب كما يظهر حاليا في الصحراء الجزائرية، وخاصة أن التنظيم تحول إلى جماعات غير متوافقة ولا متفقة في الأهداف والمخططات والوسائل. حتى في الحدود الشرقية تحول بعض العناصر المسلحين إلى عصابات تمارس تهريب السلع والسيارات المسروقة بل تعتاش بفرض إتاوات ومبالغ مالية على هؤلاء المهربين. أما في الغرب الجزائري والصحراء فقد تورطت "الجماعة السلفية" في شبكات تهريب المخدرات وتفرض نسبا معينة من قيمة البضاعة المهربة عبر الجبال والطرق الوعرة.
ففي ظل الحصار المضروب عليهم من طرف قوات الأمن والجيش وجماعات الدفاع الذاتي في القرى والمدن المداشر والأرياف، اضطرت هذه الجماعات إلى جانب ما ذكرنا على ممارسة السطو المسلح في الطرق النائية عبر الحواجز المزيفة، وغالبا ما يكون ضحاياهم من المواطنين البسطاء، وهذا طبعا زاد في توسع دائرة النقمة الشعبية وصار السكان يتعاونون مع السلطات الأمنية بصفة إرادية وتطوعية أحيانا وأخرى خوفا على أنفسهم وأسرهم وأعراضهم من هؤلاء المسلحين. بل يوجد كما جرى في بجاية مثلا أن المواطنين يتدخلون بأنفسهم وبإمكانياتهم المحدودة لإحباط عمليات مسلحة.
المشهد التاسع: العفو الشامل والذي يعتبر محطة أخرى قد تأتي بعد ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في إطار ترقية يروج لها من حين لآخر، وهو مستبعد حاليا وخاصة أن عناصر درودكال ترفض ذلك لأنه لا يتماشى ومعتقداتها التي ترى وضع السلاح ردّة وركون إلى "الطغاة" وموالاة للكفار، وفضلا من كل ذلك أن السلطة لا يمكن أن تطلق العفو الشامل من دون ضمانات وأهمها الإستسلام الكامل للعناصر المنضوية تحت ما يسمى "القاعدة" من دون شروط مسبقة.

[center]
القاعدة الجزائر- بقلم أنور مالك
القاعدة الجزائر- بقلم أنور مالك
القاعدة الجزائر- بقلم أنور مالك
القاعدة الجزائر- بقلم أنور مالك
القاعدة الجزائر- بقلم أنور مالك
القاعدة الجزائر- بقلم أنور مالك
القاعدة الجزائر- بقلم أنور مالك
القاعدة الجزائر- بقلم أنور مالك
 

رد مع اقتباس
إضافة رد

Lower Navigation
العودة   منتديات لمسة حب > الأقسام العلمية > لمسات المواضيع العسكرية > لمسات المواضيع العسكرية العامة

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصة نزاع الصحراء من الجدور بعيد عن الانحياز بقلم مبدع مقال يستحق القراءة مفاعل نووي لمسات التاريخ العسكري - ( Historical Conflict ) 0 10-02-2010 04:50 PM
الجزائر تقرر معاملة الأمريكيين بالمثل وتفرض عليهم تفتيشاً صارماً في المطارات جندي مجهول لمسات المواضيع العسكرية العامة 0 03-02-2010 05:50 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc
الدعم الفني : مجموعة الياسر لخدمات الويب المتكاملة